فهرس الكتاب
فما عرف للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - قدره كما عرف له أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ولتوضيح جزء مما يشهد بذلك، نذكر ما أخبر به عروة بن مسعود لقريش، موضحًا ما بدا له من أحوال الصحابة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم صلح الحديبية، حيث يقول:
(أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما(كما) يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم بنخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلّك بها وجهه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر إليه تعظيمًا له...).
ومن ثم يتبين لنا: أن ما ظهر من أمر الصحابة (رضوان الله تعالى عليهم) من تأخر في الاستجابة لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحلق والنحر، لم يكن على سبيل المعصية، وإنما كان أمنية منهم أن يغير النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - رأيه، وأن ينزل عليه الوحي من الله تبارك وتعالى بأن يدخل مكة، وذلك شوقًا منهم إلى بيت الله الحرام، والطواف به،ومن ثم كان تأخرهم.
ولكن لمّا خرج النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - فحلق ونحر هديه، علم الجميع أن الأمر قد انتهى، ولا محال للرجوع فيه، فحلقوا ونحروا، مستجيبين لأمر الله تعالى، وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - [1] ، حتى أنزل الله تعالى فيهم قوله: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .
(1) حقبة من التاريخ (بتصرف) للشيخ/ عثمان الخميس.