ولذلك قال ابن سيرين أيضا - كما روى مسلم وغيره - قال: [ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ] يعني الحديث عن رسول الله ? ، [ ولما وقعت الفتنة ، قالوا: سموا لنا رجالكم ] ومن هنا نشأ علم الجرح والتعديل عند أهل السنة: فلان ثقة ، وفلان ضعيف ، وفلان متروك ، وفلان كذاب ، وفلان كذا ؛ وفلان كذا ، نشأ من أجل معرفة الرواة الثقات فيؤخذ حديثهم ، ومعرفة الرواة الضعفاء فيطرح حديثهم ، حتى كان شعبة يقول كما ذكر الخطيب البغدادي في الكفاية وغيره: اجلس بنا نغتب ساعة ، فيجلسون فيقولون: فلان ضعيف ، وفلان متروك ، وفلان كذاب ، وفلان وضاع ، وفلان ثقة .
ومرة كان ابن أبي حاتم يروى بعدما صنف كتاب الجرح والتعديل ، يروى فلان فيه ، وفلان فيه ، فجاء رجل وقال: يا ابن أبي حاتم ماذا تصنع ؟ يا ابن أبي حاتم لعلك تتكلم في رجال قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مئتي سنة فبكى ابن أبي حاتم t بكاءً شديدًا ، والواقع أنه ليس المقصود الكلام في هؤلاء الرجال ، قد يكون رجلًا من أهل الجنة لكنه ضعيف الرواية ، كما قال الإمام مالك رحمه الله: [ أدركت بالمدينة سبعين يستسقى بهم المطر من السماء لا آخذ عن واحد منهم حديثا واحدًا ] فهم: ناس صالحون إذا أردنا أن نستسقي نقدمهم يدعون الله تعالى ، كما قدم عمر العباس ليدعو في الاستسقاء ، لكن لا يؤخذ منهم الحديث ، لأنهم ليسوا من أهل الحديث .
وكذلك قال أبو الزناد: [ أدركت بالمدينة مئة من الصالحين لا يؤخذ عنهم الحديث ، يقال: ليسوا من أهله ] ليسوا كذابين ، وإنما فيهم غفلة - غفلة الصالحين - وفيهم سذاجة ، فيأخذون عن كل من هب ودب ، فلا يؤخذ عنهم الحديث ، فمن هنا نشأ علم الجرح والتعديل .