فهرس الكتاب
ومن هذا المنطلق ننتقل إلى ملاحظة ظاهرة أخرى في غاية الخطورة ، وهي ظاهرة الاختلاف في حديث الشيعة ، وقبل أن نخوض في غمار ذلك البحث نود أن نستطرد إلى بيان وتبرير افتراض آخر ، وهو أن هذه الأصول ينبغي أن تتمتع بدرجة كبيرة من الثقة والصحة ، ذلك بأن المفروض أن أصحابها كانوا يؤلفونها على ضوء ما يستفيدون من الأئمة المعصومين ، وأحيانا يعرضون كتبهم عليهم أيضا ، لهذا فقد شاع الاعتماد عليها في المتقدمين من علماء الشيعة ، كما قال المجلسي الأول في شرح الفقيه: (لا شك أن اعتماد المتقدمين من علمائنا كان على الكتب التي يرويها ثقات أصحاب الأئمة ... دونوا ما سمعوه في كتبهم ، وكانت تلك الكتب صحيحة عند العلماء) ( [23] ) .
وهذا أيضا ما حدا بأصحاب الكتب الأربعة أن يعتمدوا على الأصول الأربعمائة دون تمحيص ، فقد قال ابن بابويه في مقدمة الفقيه: (صنفت له هذا الكتاب بحذف الأسانيد لئلا تكثر طرقه ، ... وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعول وإليها المرجع) ( [24] ) . لذا حق له أن يقول في مقدمة كتابه إنه لا يدخل فيه إلا ما يوافق عليه ويقر بصحته ويعتبره حجة بينه وبين ربه ، وكذلك فإن الطوسي الذي يعتني كثيرا بالترجيح والجمع بين أحاديث مختلفة لا تكاد تراه يرجح حديثا على آخر بضعف أحدهما ، والكليني أيضا يظهر من مقدمته أنه يثق بما رواه في كتابه ، فيقول فيه مخاطبا من طلب منه تأليف الكتاب: (وقلت: إنك تحب أن يكون عندك كتاب كاف يجمع فيه من جميع فنون علم الدين ما يكتفي به المتعلم ويرجع إليه المسترشد ويأخذ منه من يريد علم الدين والعمل به بالآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم السلام والسنن القائمة التي عليها العمل ...) ثم يقول: (وقد يسر الله - وله الحمد والمنة - تأليف ما سألت وأرجو أن يكون بحيث توخيت) ( [25] ) .