فهرس الكتاب
نعم.. هذه الطبيعة لم تكن خاصة بالخميني وحده، بل كان أكثر المعممين مثله، وأذكر أنني في شبابي كنت مقيمًا في قم، وكان السيد الخميني عالمًا أكنّ له في قلبي معزةً واحترامًا، وكنت درست معه مدةً، وكنت أذهب عنده أحيانًا تقديرًا له وأزوره، فيدخلني في غرفة خارج منزله، وهي غرفة متواضعة جدًا ليس فيها إلا بساطًا باليًا قد تغير لونه وکرسيًا مکسورًا، فكان في نظري زاهدًا تقيًا معرضًا عن الدنيا، حتى أنني وضعت مرة ريالًا واحدًا عند كرسيه وخرجت!
وبعد مدة دعاني السيد الخميني إلى حفل زفاف ابنته، وبحسب ترتيبهم دخلنا داخل داره فرأيت الفرق بين داخل الدار وبين الغرفة الخارجية كالفرق بين السماء والأرض، الغُرف الفخمة، والبسط الراقية، والمرايا الکبيرة، وكل أنواع الأثاث الفخم موجود، ففهمت أن ما يُظهر للناس يخالف الوضع الداخلي.
وهكذا فإن أسلوب التوجه إلى العوام من قبل الشيوخ بمظاهر الزهد في الخارج فقط، عيبٌ قد ابتلي به أكثرهم.
أذكر أن البروجردي لما بنى منارتين في المسجد قام آية الله كُلپَايْكَاني بعد أيام ببناء منارتين كي يكون مثله! مع أن هذا العمل غير نافع، ثم إنني أتيت إلى كُلپَايْكَاني بعد سنوات وطلبت منه المساعدة لأسرتين فقيرتين في قم كانتا من السادات الموسوية -وكان منزلهما من غير مواسير للماء- فلم يقدم لهما شيئًا أبدًا.
وأعتقد أن هذا الأمر هو أكبر سبب لكون كثير من أبناء آيات الله (المراجع) بعيدين عن الدين؛ إذ إن أولادهم يشاهدون بأعينهم الفرق بين ما يظهره المرجع للناس وما يبطنه معهم، مما يجعل هؤلاء الأبناء لا يتأثرون بكلام آبائهم فينشئون نشأة غير صحيحة.
قبل سنوات كتبت في كتابي: (تراجم الرجال) في باب الميم في أحوال ميرزا الشيرازي شيئًا يناسب أن أذكره في هذا المقام: