فهرس الكتاب
قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّ القُرْآنَ نُقِصَ مِنْهُ آيَاتٌ وَكُتِمَتْ، أَوْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ تَأْوِيلَاتٍ بَاطِنَةً تُسْقِطُ الأَعْمَالَ المَشْرُوعَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ القَرَامِطَةَ وَالبَاطِنِيَّةَ، وَهَؤُلَاءِ لَا خِلَافَ فِي كُفْرِهِمْ.
قَالَ: وَأَمَّا مَنْ سَبَّهُمْ سَبًّا لَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمْ وَلَا فِي دِينِهِمْ، مِثْلُ وَصْفِ بَعْضِهِمْ بِالبُخْلِ أَوِ الجُبْنِ أَوْ قِلَّةِ العِلْمِ أَوْ عَدَمِ الزُّهْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالتَّعْزِيرَ وَلَا نَحْكُمُ بِكُفْرِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَأَمَّا مَنْ جَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ زَعَمَ أَنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا يَبْلُغُونَ بِضْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا أَوْ أَنَّهُمْ فَسَقُوا عَامَّتُهُمْ، فَهَذَا لَا رَيْبَ أَيْضًا فِي كُفْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ لِمَا نَصَّهُ القُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
يَقُولُ الشَّيْخُ:
وَالجَهْلُ بِالمُتَوَاتِرِ القَاطِعِ لَيْسَ بِعُذْرٍ، وَتَأْوِيلُهُ وَصَرْفُهُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ غَيْرُ مُفِيدٍ، كَمَنْ أَنْكَرَ فَرْضِيَّةَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ جَهْلًا لِفَرْضِيَّتِهَا؛ فَإِنَّهُ بِهَذَا الجَهْلِ يَصِيرُ كَافِرًا، وَكَذَا لَوْ أَوَّلَهَا عَلَى غَيْرِ المَعْنَى الَّذِي نَعْرِفُهُ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّ العِلْمَ الحَاصِلَ مِنْ نُصُوصِ القُرْآنِ وَالأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِهِمْ قَطْعِيٌّ.