الصفحة 54 من 310

صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَشْجَعُ النَّاسِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ خَافَ فِي أَمْرٍ مِثْلِ هَذَا، يَعْنِي أَنَّهُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَخَافُ عَلَى أُمَّتِهِ، وَقَدْ يَتْرُكُ الشَّيْءَ خَوْفًا عَلَى الأُمَّةِ صَحِيحٌ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا خَوْفَ الجَبَانِ حَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ مَنْ يَخَافُ عَلَى أُمَّتِهِ خَوْفَ الشَّفِيقِ النَّاصِحِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [1] . وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا» [2] . فَإِنَّ تَخَوُّفَهُ لَيْسَ عَلَى نَفْسِهِ، لَا يَخَافُ لَوْ هَدَمَ الكَعْبَةَ، وَلَا يَخَافُ مِنْ أَحَدٍ، دَخَلَ مَكَّةَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، لَكِنْ يَخْشَى أَنْ يَتَسَبَّبَ هَذَا فِي أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: هَدَمَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكَعْبَةَ، وَيُسَاءُ فَهْمَ هَذَا المَوْقِفِ، وَهَكَذَا تَرْكُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِقَتْلِ بَعْضِ المُنَافِقِينَ قَالَ: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» [3] .

(1) سورة التوبة: 128.

(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب فضل مكة وبنيانها (1583) ، ومسلم في كتاب الحج - باب نقض الكعبة وبنيانها (1333) ، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(3) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب ما ينهى من دعوة الجاهلية (3518) ، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب نصر الأخ ظالمًا ومظلومًا (2584) ، من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت