فهرس الكتاب
أَمَّا القَوْلُ بِأَنَّهَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً، وَلَكِنَّ عَلِيًّا تَرَكَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ، فَهَذَا أَرْدَأُ مَا يَكُونُ قَوْلًا فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، إِذَا قِيلَ: إِنَّ عَلِيًّا تَرَكَ هَذَا الأَمْرَ المَنْصُوصَ تَقِيَّةً، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ جَبَانًا خَوَّارًا - حَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ - فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى نَفْسِهِ وَأَخْفَى هَذَا الأَمْرَ؛ لِأَنَّهُ خَافَ، المُرَادُ بِالتَّقِيَّةِ إِظْهَارُ أَمْرٍ الإِنْسَانُ عَلَى خِلَافِهِ، لِمَاذَا؟ يَتَّقِي عَدُوَّهُ، وَهَلْ يَجُوزُ هَذَا؟ يَجُوزُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ المَحْضَةِ المُنْجِدَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الكُفَّارِ: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} [1] ، فِي الضَّرُورَةِ المُلْجِئَةِ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ المُسْلِمُ كَذَّابًا لَهُ وَجْهٌ يُبْدِيهِ غَيْرُ حَقِيقَتِهِ فَحَاشَا للهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ المُنَافِقِينَ، قَالَ تَعَالَى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [2] ، {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [3] ، هَذِهِ صِفَةُ المُنَافِقِينَ، لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَكَانَ الإِنْسَانُ إِمَّا أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الكَلِمَةَ أَوْ سَيُقْتَلَ أَوْ يُتَعَرَّضَ لِعِرْضِهِ، فَقَالَ كَلَامًا خَوْفًا مِنْ عَدُوٍّ لِيَسْلَمَ، هَذَا مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ كَمَا أَنْ يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ المَيْتَةَ، أَمَّا أَنْ تَكُونَ سَجِيَّةً فِي المُسْلِمِ وَطَبِيعَةً فَحَاشَا للهِ مِنْ ذَلِكَ.
(1) سورة آل عمران: 28.
(2) سورة الفتح: 11.
(3) سورة آل عمران: 167.