الصفحة 106 من 402

فالمتأخر هو الذي يتبع المتقدم، أما أن تدَّعو أن إبراهيم تابع لدينكم ودينكم لم يأت إلا بعده، ولهذا قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} المقصود بالإسلام هنا الإسلام العام - كما قلنا - الذي عليه جميع الأنبياء، ولهذا قال: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} جميع الأنبياء دينهم هو دين الحنفية وهو إفراد الله تعالى بالعبادة ونبذ الشرك، هذا الذي عليه إبراهيم وعليه نوح وعليه موسى وعليه محمد وجميع الأنبياء صلّى الله عليهم وسلّم، فهذا المراد بالإسلام هنا، وليس المقصود أنه ليس يهوديا ولا نصرانيا ولكنه مسلم تابع لهذا الدين! وإنما المقصود الإسلام العام، فينسبون الباطل الذي هم عليه إذا قيل: أنتم عندكم كذا وكذا ومن الخلل كذا قالوا: هذا دين إبراهيم، وهكذا نسبتهم لسليمان السحر، فإنهم زعموا أن سليمان - أكرمه الله تعالى وأجلَّه - وكان منتشرا في اليهود جدا؛ أنه تمكن مما تمكن منه بسبب أنه ساحر قال تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} فأهل الكفر هم الشياطين والسحرة، أما سليمان فمَكَّنَه الله تعالى لأنه دعا الله تعالى أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، فآتاه الله ذلك وأخضع له حتى الشياطين {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ، وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [1] ، وظلوا يمتهنون العمل حتى خرَّ وتوفي عليه الصلاة والسلام فلما رأوه سقط ميتا - وكانوا يعملون في العذاب المهين، يظنونه أنه حي لأنه كان متكئا على عصاه عليه الصلاة والسلام - {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [2]

(1) ص:37، 38.

(2) سبأ: 14..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت