الصفحة 127 من 402

الدين ليس محلا للعب ولا محل للهو، ولهذا من الأغلاط العظيمة أن يُجعل أمر الدعوة إلى الله أمرا متخذا ضمن طرقه طرق الهزل والضحك والاستخفاف، فهذا ليس من شأن الداعي إلى الله عزَّ وجلَّ، الداعي إلى الله تعالى يعلم أن الله تعالى قد أنزل وحيا عظيما حمَّل أهل العلم أمانة أدائه وإبلاغه وألا يشوبوه بما يشينه من أنواع السخف وأنواع الهزل الفارغ؛ فإن هذا يُضعِّف دائما من شأن ما تتحدث فيه، فبين الرجل يتحدث في اليوم الآخر وما فيه من نعيم وعذاب ووقفات عظام هائلة في القيامة ويتحدث عما قَبْلَه مما في القبر من ضمّة القبر والسؤال والنعيم والعذاب؛ أي محل للهزل في هذا؟ لا محل للهزل ولا المزاح، العيون ينبغي أن تذرف دمعا للمواقف الهائلة العظام، أما إذا انقلب الجالسون إلى ضاحكين لاهين؛ فهذا لم يخدم الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ، ليس المقام مقام هزل، ولهذا كان الأوزاعي رحمه الله تعالى إذا تكلم في القدر أو في اليوم الآخر لم يُجب سائلا ولم يقطع حديثه حتى يتمه - من اهتمامه بالموضوع -، ولما طُلب من بعض المحدثين أن يذكر صفة تغسيل الميت - فقط صفة تغسيل الميت - أراد أن يتحدث عجز من بكائه فالمقام ليس مقام مزاح، تذكر موقفه هو إذا توفي ومات، فالدين ليس محلا للمزاح بمسائل الدين العظام، المزاح له موضع والضحك له موضع والجد له موضع، ولهذا دائما يستشين الناس ويستنكر العقلاء على من يضحك في الموضع الذي ليس محلا للضحك، فالمقابر على سبيل المثال من الأمور الممجوجة من بعض الناس أنه يجد الهزل والمزاح والضحك في المقبرة - وهو يرى هؤلاء الذين سبقوه وسيكون معهم يوما ما - ثم إن هذا الميت الذي شيعته أخ لك في الله عزَّ وجلَّ وله أقارب قد أصابهم الحزن فأي معنى للمزاح والضحك والهزل في هذا الموضع؟ ولهذا كان الأعمش يقول: كنا إذا ذهبنا بالجنازة لا ندري من نعزي، يعني الجميع من أقارب الميت ومن غيرهم قد أصابهم شيء من الخضوع لله عزَّ وجلَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت