الصفحة 128 من 402

وتذكُّر هذا الموضع الذي سيرده الواحد منهم فلا تجد آثار الخضوع أو دمع العين على أقارب الميت، لأن المقام ليس مقام حزن فقط على الميت، المقام مقام استذكار أنك حملت هذا الرجل إلى هذا الموضع وسَتُحمل أنت يوما إلى هذا الموضع، فهو من المقامات التي تستوجب من العاقل أن يتفكر ويتنبه، الحاصل أن أمر الدين وأمر العلم ينبغي أن لا يُمَجَّ وأن لا يُشان، وأن يُدعى إلى الله عزَّ وجلَّ بالأسلوب السليم، ويتحجج بعض الناس بأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يمزح، ومن قال إن أهل العلم يقولون: إن المزاح لا يليق أو لا يجوز، المزاح هدي وطريقة، رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له طريقة محددة يعرفها أهل العلم إذا صلى، يعرفها أهل العلم إذا باع؛ إذا سافر؛ إذا حزن؛ إذا مزح؛ إذا ضحك صلّى الله عليه وسلّم، لا تخلط الأمور، فمواضع الجد أين في أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حديث من أحاديثه ذكر القيامة وذكر القبر ونعيمه وعذابه ذكرها بصيغة فيها نوع من الضحك - حاشا له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أن يفعل هذا - فينبغي أن يُعلم أن أمور الدين تؤخذ بالجد ولا تُخذ بالهزل الذي يُشان الدين بسببه عند الناس، وإنما للمزاح موضع كما كان صلّى الله عليه وسلّم يمزح ولا يقول إلَّا حقا [1] ، فكان يمزح صلوات الله وسلامه عليه، ولا أحد يقول للناس: لا تمزحوا، لكن يُمزح بمقدار ويُمزح بألفاظ وبتصرفات لا تخرج المازح عن الجائز وعن الحد الشرعي إلى ما لا يجوز، فأما الدين فليس محلا بتاتا للعب والهزل، ولهذا كان من خصال أهل الجاهلية أنهم اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، فينبغي أن يُلاحظ هذا وأن يعلم المؤمن أنَّ للجد موضعه وللمزاح موضعه ولا يخلط هذا بهذا.

(1) صحيح. الترمذي (1990) . صحيح الأدب المفرد (200) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت