فهرس الكتاب
يفسرون الاستواء بأنَّه الاستيلاء، قالوا: أي الرحمن على العرش استولى، طيب ماذا تفعلون بالنصوص والآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، وأنتم لا تقولون في الصحابة والتابعين إلَّا خيرا وتترضون عنهم - لستم روافض ولا باطنية - ماذا تقولون في هذه المعاني التي فسر بها الصحابة والتابعون رضي الله عنهم هذه الصفات وهذه النصوص الكثيرة - سواء في أبواب القدر أو في باب الأسماء والصفات أو في أبواب أخرى خالفوا فيها الحق - انفتح على هؤلاء الذين حرفوا معاني الصفات؛ انفتح عليهم الباب مع الباطنية ومع الفلاسفة الذين عبثوا بالدين عبثا تاما، فلما رد الجهمية والمعتزلة وأمثالهم على الفلاسفة وعلى الطوائف الباطنية وغيرهم قالوا: إنكم حرفتم كتاب الله؟ قالوا: وأنتم أيضا حرفتم، فإنْ كان التحريف باطلا فعندنا وعندكم، فإمَّا أن تَلْزَموا ما كان مَنْ قبلكم ممن لم يحرف وإنما أخذ النصوص على المعنى الظاهر الجلي الذي فسره به الصحابة رضي الله عنهم، وإلا فإنكم إذا نسبتم إلينا الضلال بسبب أنَّا حرفنا الكلم عن مواضعه فقد حرفتم الكلم عن مواضعه، فإنْ قلتم: إنَّ الصلاة والزكاة مسائل أجمعت عليه الأمة ولا يمكن أنْ يكون معناها على ما ذكرتم؟ أجابهم أولئك بقولهم: والسلف قبلكم أجمعوا على أنَّ الصفات تُثبت ونصوصهم في هذا كثيرة جدا، فإنْ كان فعل الباطنية خطأ - ولا شك أنَّه خطأ بتأويلهم المسائل العملية كالحج والصوم والصلاة - فإنَّ فعلكم خطأ، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى بيانا لكون هؤلاء لما فتحوا على أنفسهم باب التحريف الذي يسمونه تأويلا لم يستطيعوا الجواب على أولئك الذين أوَّلوا مسائل الجنة والنار كالفلاسفة والباطنية وأضرابهم؛ أوَّلوا حتى الجنة والنار وأوَّلوا المسائل العملية - كما قلنا - كالصلاة والعبادات العملية، فقالوا: إنَّ دربنا ودربكم واحد، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله على لسانهم: (إمَّا تأولنا وأنتم قد تأوَّلتم؛