الصفحة 38 من 402

المسألة الثالثة: أن مخالفة ولي الأمر وعدمَ الانقياد له فضيلة، والسمع والطاعة ذلٌّ ومهانة، فخالفهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ وأمر بالصبر على جَور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلَّظ في ذلك وأبدأ فيه وأعاد.

ذكر رحمه الله تعالى الخصلة الثالثة: العرب كانوا من أشد الناس تمنعًا وتعصيًا على أن يطيعوا أحدًا، ذكر الشافعي رحمه الله تعالى أن هذه الخصلة في العرب وأنهم كانوا يأنفون أنفة شديدة أن يطيعوا أحدًا، ولهذا لم يوجد داخل الجزيرة العربية دولة إلا في الأطراف، في جهة الشمال الشرقي والشمال الغربي دولة المناذرة والغساسنة وفي أيضا الأطراف في الجنوب، الدول التي كانت في جهة اليمن، أما داخل الجزيرة العربية في وسطها وفي شرقها وفي غربها فكان شيئًا هائلًا من الخلافات والنزاعات، ولم يكن أحد يستطيع أن يجمع شتات هذه القبائل ويكون حاكمًا عليها وحدها لأن العرب تأنف ذلك، فكانت القبيلة تسمع لكبرائها وتلك تسمع لكبرائها وتلك تسمع لكبرائها، والقبائل كثيرة، ولم يكن عندهم نظام ولا جيش ولا قضاء، فكانوا على حال من الفرقة شديد جدًا، وكان من خصالهم أنهم يَرَوْنَ أن مخالفة الحاكم وعدم الانقياد له هو الفضيلة وهو الدال على تمام الرجولة وعلى القوة وعلى ما يُعَبَّرُ عنه اليوم بالشخصية القوية، فكانوا يَرَوْنَ أن الطاعة في مثل هذا مهانة ومذلة وأن أحدًا لا ينبغي أن يُسمع له ويُطاع على سبيل الأمر لك وتنظيم الأمور وترتيبها؛ يرون أن هذا من المذلة وأنه من المهانة، فكانوا يعكسون المسألة تمامًا، ولهذا هذا الصنف لا يمكن أن يقوم عندهم نظام، كيف يقوم عندهم نظام وهم يرون أن النظام مهانة، لا يمكن أن يقوم عندهم نظام، ولهذا - كما قلنا - لم يوجد في جزيرة العرب حاكم تمكن من أن يلم شتات هذه القبائل ويكون باسم ملك أو خليفة أو رئيس أو ما شابه، لا يمكن أن يكون هذا قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت