فهرس الكتاب
الإسلام، وإنما وجد - كما قلنا - في الأطراف؛ المناذرة في جهة دولة الفرس، والغساسنة في جهة دولة الروم، وفي مواضع محددة، أما الجزيرة العربية فكانت أتونًا مشتعلة، وكانت النزاعات والحروب إذا وقعت بينهم تستمر سنين لا تطفأ، حتى استمرت بعض وقائعهم أربعين سنة، والمراد باستمرارها أربعين سنة ليس أن ثمة جيشين يتحاربان مدة أربعين سنة، لكن تنشب الحرب بينهم ويهلك بعضهم بعضًا ثم يستمرون في الثأر فيُغِيْرُ هؤلاء على هؤلاء، ويقطع على هؤلاء أولئك الطريق وهكذا، فجاء صلّى الله عليه وسلّم بضد هذا خالفهم وأمر بالسمع والطاعة للولاة والنصيحة.
ذكر رحمه الله تعالى أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أتى بأمور ثلاثة: السمع والطاعة، أما السمع مع عدم الطاعة ما منها فائدة كما قالت اليهود: {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [1] إِذِ المقصود أن يُسمع ويُطاع، ولا شك أن المقصود هنا هو السمع والطاعة في المعروف، فلا يُسمع لأحد ويُطاع في معصية الله عزّ وجلّ، وإنما السمع والطاعة عند أهل السُّنَّة في المعروف فقط، فأما السمع والطاعة في المعصية فلا أحد يُسمع له ولا يُطاع كما قال عليه الصلاة والسلام: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» [2] فالمقصود أنه يُسمع ويُطاع في المعروف، وما الذي يُطاع فيه الولاة؟ يُطاع الولاة في نوعين:
النوع الأول: إذا أمروا بما أمر به الله، فيطاعون طاعة لله عزّ وجلّ، كأن يأمروا بإقام الصلاة وأن يأمروا بالتزام الصيام ونحو ذلك، فيطاعون طاعة لله عزّ وجلّ.
(1) البقرة: 93.
(2) صحيح البخاري (7144) .