فهرس الكتاب
المسألة الخامسة: أن من أكبر قواعدهم الاغترارَ بالأكثر، ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان الشيء بغربته وقلَّة أهله، فأتاهم بضد ذلك، وأوضحه في غير موضع من القرآن.
من أكبر قواعدهم أيضا، تقدم في الخصلة السابقة أنه ذكر أن دين هؤلاء القوم مبني على أصول أعظمها التقليد، هنا ذكر أن من أكبر قواعدهم - قواعد؛ قاعدة - ولكنها قاعدة لا أساس لها، واهية ليس لها أي حجة وإنما هي في نظرهم مما يرتكزون عليه ويعدونه من القواعد، من أكبر قواعدهم هذا الاغترار بالكثرة، فينظرون إلى الأكثر ويقولون: إن هذا المجموع الغفير الحقُّ فيه، وينظرون إلى الأقل ويقولون: هذا الأقل الباطلُ ملازم له على كل حال، وهذه موازين أهل الجاهلية، هكذا يقيسون الأمور، ما كان عليه الأكثر فهو في نظرهم الصواب، وما كان عليه الأقل فهو الباطل، هكذا يفعل من لا يعرف الحجج ولا يفقه موارد العلم والاحتجاج، هذه الكثرة لا شك أنها قد جاءت النصوص دالة على أن اكثر الناس على غير الصواب، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ الله إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [1] فلما كانوا ليس عندهم حجج؛ إنما هي مجرد التخرصات والظنون صاروا على باطل وإن كانوا بالملايين؟ وإن كانوا بالملايين، يجتمعون على هذا الباطل وتهواه نفوسهم، ويميلون إليه بلا حجة ولا برهان فيكونون على باطل وإن كانوا بهذه الأعداد الغفيرة، قال تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [2] فأكثرهم على هذا، أكثرهم على هذا الحال؛ لا عهد لهم، فقال سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [3]
(1) الأنعام:116.
(2) الأعراف:102.
(3) يوسف:103..