الصفحة 69 من 402

هذه المسألة السادسة قريبة من المسألة الرابعة، فالمسألة الرابعة ذكر أن أعظم أصل عندهم هو التقليد؛ تقليد آبائهم، في هذه المسألة ذكر أن من خصال أهل الجاهلية الاحتجاج بالمتقدمين، الذي يظهر - والله أعلم - أن ثمة فرقا بين هذه المسألة والمسألة الرابعة حاصله أن هذه المسألة أخص لأن فيه إيراد الحال الذي كان عليها الأولون مورد الاحتجاج، فهو في المسألة الرابعة إنما هم مجرد مقلدين، أما هنا فهم يحتجون احتجاجا ويجعلون ما عليه المتقدمون حجة في نفسه، ولهذا أورد قول الله تعالى عنهم: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} الاحتجاج عندهم على هذا النحو وهكذا قول فرعون لموسى: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} احتجاجا بما كان عليه أهل القرون الأولى التي تقدمت قبله، فهذا هو - فيما يظهر - الفرق بين هذه المسألة والمسألة الرابعة، وهذا قطعا صُنع من لا يفهم موارد الاحتجاج، فالحجة ليست في ما كان عليه المتقدمون، ما سمعنا بهذا! وإذا لم تسمع به - المتقدمين - ؟ يَضُرُّ العلم أن لا تسمع به؟ تكون أنت قد جهلته وجهل من قبلك، هذه الطريقة من الاحتجاج {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا} أو مثل قول بعض الناس إذا سمع حديثا: لم أسمع به!! وماذا عندك أنت من الدراسة للعلم والحديث وعلى مَنْ درسته وما الكتب الحديثية التي درستها؟ رجل عاميٌّ يسمع في خطب الجمعة أو في حديث في الإذاعة أو نحوه بعض الأحاديث فإذا مرَّ به حديث لا يعلمه قال: ما سمعت بهذا؟ وإذا لم تسمع به؟ أيضر الحديث الثابت أنك لم تسمع به؟ فهذه ليست إلا من موارد الاحتجاج الدال على ما هم فيه من الجهل، ولهذا أورد رحمه الله تعالى هذه الآيات ليبين أن الحجة في الدليل المُنْزَل من الله عزَّ وجلَّ، أما مجرد الاحتجاج بالمتقدمين من القرون الأولى، أو أنهم لم يسمعوا بما سمعوا به من الحق عند آبائهم المتقدمين فليس هذا من موارد الاحتجاج عند من يعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت