فهرس الكتاب
فالملأ هم الذين يملؤون المجلس كبراء الناس، هؤلاء في الغالب متمنِّعون على الحق لأن لهم زعامات ورئاسات جعلوها وتسلطوا على الناس بها، والدين جاء بالعدل والإنصاف، وهم لا يريدون أن تسقط هذه الزعامات الباطلة التي تسلطوا بها على الناس، فقالوا: إن الدليل الذين أنت عليه ليس بصواب لأنك لم يتبعك إلا الضعفاء ولو كان الذي أنت عليه حقا لاتبعك الشرفاء والكبراء والوجهاء، قال الله عزَّ وجلَّ: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} هذا قاله قوم نوح لنوح، يقصدون الضعفاء والأرامل الذين لا يساوون شيئا، كيف نؤمن وأنت لم يتبعك إلا هؤلاء؟ هذه طريقتهم في الاحتجاج، وهكذا قولهم فيما يتعلق بالصحابة لما آمن بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعضُ المستضعفين كعمار وبلال وصهيب وأمثالهم، يقولون أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا، أيعقل؟ أيمكن أن يَمُنَّ الله عزَّ وجلَّ على هؤلاء الأعبد وهؤلاء الضعفاء ولا يَمُنَّ علينا نحن وأنتم من أنتم؟ نحن أهل المال وأهل الشرف وأهل الرفعة، هل يمكن أن يَمُنَّ الله عزَّ وجلَّ على هؤلاء المستضعفين ويتركنا نحن؟ نحن ذوو الرفعة والمكانة العلية لا يُمكن أن يَمُنَّ الله على هؤلاء ويدعنا، فهذا دليل على أن هذا الذي بُعث به باطل، هكذا موارد الجاهليين، رد الله عليهم بقوله {أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} الله تعالى هو الأعلم بمن يستحق أنه يُهدى، وقد بيَّن الله تعالى أنه قد صرف أناس عن هدايته - عياذا بالله - لأنهم ليسوا موضعا للهداية، يقول تعالى في الرسالة: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [1]
(1) الأنعام: 124..