الصفحة 95 من 402

الغلو هو مجاوزة الحد في كل شيء، فمن جاوز الحد في أمر ما فقد غلى فيه، أهل الجاهلية يغلون فيمن يعظمونهم ومن أكثر من عظَّموا مَنْ يرونهم من أهل الصلاح ومن يرونهم من أهل العلم، وهكذا قد يُعظمون أيضا ويغلون في الملائكة وقد يغلون أيضا في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالغلو صفة من صفات أهل الجاهلية في القديم وفي الحديث، والغلو هو السبب في وقوع الشرك - كما تقدم - في قوم نوح وهو السبب في وقوع الشرك في المتأخرين، فالغلو هو السبب في وقوع الشرك قديما وحديثا، وتقدم أن ابن عباس رضي الله عنهما قال في المراد بقوله تعالى {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [1] : «أن هؤلاء أسماء رجال صالحين كانوا في قوم نوح هلكوا..» [2] إلى آخر الأثر، فمن صفات أهل الجاهلية أن يغلو فيمن يرون فيهم صلاحا فيمن يرون فيهم علما، ولهذا جاء الشرع بمنع الغلو، قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [3] أهل الكتاب غلو في عيسى عليه الصلاة والسلام فقالوا: ابن الله، قالوا إنه: ثالث ثلاثة، هذا كله من الغلو وتجاوز الحد، ولهذا جاء الشرع بالمنع من المبالغة في المدح، يُنهى عن المبالغة في المدح حتى لو للعالم، والمبالغة في تعظيم الناس، روى مسلم في صحيحه أن رجلا جاء إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه فصار يمدح، وكان المقداد رضي الله عنه حاضرا فنزل إلى الأرض وأخذ ترابا وحثاه في وجهه، استغرب عثمان رضي الله عنه من فعل المقداد وروى له المقداد أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا في وجوههم التراب» [4]

(1) نوح:23.

(2) صحيح البخاري (4920) .

(3) المائدة: 77.

(4) صحيح مسلم (3002) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت