فهرس الكتاب
فطبقه رضي الله عنه تطبيقا، فالمدائح والمبالغة فيها غلط عظيم وقد تؤدي إلى مفاسد، منها ما يتعلق بالممدوح بأن يغتر ويترفع، إذا رأى الناس يعظمونه ويمدحونه، وتتعلق أيضا بغير الممدوح بأن يظن الجهلةُ أن هذا الشخص له من المكانة كذا وكذا مما لا ينبغي أن يوصف به البشر، ولهذا كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه - وهو سيد ولد آدم صلّى الله عليه وسلّم - يأبى أيَّ غلو فيه، فكان يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» [1] ، ولما قال له قوم: يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا وابن خيرنا، قال: «قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد ابن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عزَّ وجلَّ» [2] ، ولما قال له رجل: يا رسول الله؛ ما شاء الله وشئت؛ قال: «أجعلتني لله ندا، قل ما شاء الله وحده» [3] ، ولما استأذنه معاذ وقال معاذ: يا رسول الله إني قدمت الشام - أو اليمن - فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم فأنت أحق، فرَوَّأت [4] في نفسي - رَوَّأ في نفسه؛ هيأ في نفسه - أنه إذا أتى المدينة أن يفعل ذلك عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالسجود له، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد - من البشر - لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» [5]
(1) صحيح البخاري (7320) .
(2) صحيح. أحمد (13529) ، والنسائي في الكبرى (10007) . غاية المرام (127) .
(3) صحيح. النسائي في الكبرى (10759) . صحيح الأدب المفرد (605) .
(4) قال في القاموس المحيط (ص42) : (رَوَّأَ في الأمْرِ تَرْوِئَةً وتَرْويئًا: نَظَرَ فيه، وتَعَقَّبَهُ، ولم يَعْجَلْ بِجَوابٍ، والاسمُ: الرَّويئَةُ والرَّويَّةُ) .
(5) صحيح. ابن ماجه (1853) . الصحيحة (1203) ..