فهرس الكتاب
أما سلف الأمة وأئمتها فهم يفرقون بين الشيعة والرافضة، وقد بين ذلك الإمام الذهبي في الميزان غاية البيان فقال: «إن البدعة على ضربين، فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة، وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلًا صادقًا، ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! حاشا وكلا، فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير، وطلحة، ومعاوية، وطائفة ممن حارب عليًا رضي الله عنه وتعرض لسبهم، والغالي في زمننا وعُرفنا هو الذي يكفر هؤلاء السادة، ويتبرأ من الشيخين فهذا ضال مفتر» [32] .
غلاة الروافض:
وأضيف لكلام الذهبي حقيقة أخرى، وهي أن شيعة عصرنا المتبعين للكليني والمجلسي وأضرابهما ليسوا رافضة أيضًا بحسب مفهوم الرفض عند السلف، بل هم غلاة في الرفض؛ لأن عقائدهم هي عقائد غلاة الرافضة، فشيعة عصرنا مثلًا يفضلون الأئمة على الأنبياء، ويجعلون ذلك من ضرورات مذهبهم، حتى قال كبيرهم في هذا العصر: «إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل» [33] .
وقد قرر أهل العلم بالمقالات أن هذا المعتقد هو نحلة غلاة الروافض، يقول الإمام عبد القاهر البغدادي: «وزعمت الغلاة من الروافض أن الأئمة أفضل من الأنبياء» [34] ، ويقول القاضي عياض: «وكذلك نقطع بتكفير غلاة الروافض في قولهم: إنّ الأئمة أفضل من الأنبياء» [35] .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والرافضة تجعل الأئمة الاثني عشر أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وغلاتهم يقولون إنهم أفضل من الأنبياء» [36] .