فهرس الكتاب
كان الخميني في مقتبل سيرته المهنية فيلسوفًا ذائع الصيت (مع التخصّص في تعليم المنطق الأرسطي) ، بالإضافة إلى الاشتغال على نطاق ضيّق بالصوفية، ربما لتأثره بكتابات المتصوف الأندلسي الشهير ابن عربي. لا بل إنه نظم بنفسه شعرًا صوفيًا، وإن أي من شعره لم يُنشر قبل وفاته عام 1989. ولعلّ أهم عامل صنع له شهرته بين الملالي الشيعة أنه أبدى براعة فائقة في تحليل"الأسفار الأربعة"للملا صدرا، وهو النصّ الروحاني المعقّد على وجه الخصوص الذي طالما حظي بشعبية في المراكز الإيرانية للدراسات الدينية. في عمله هذا، رسم صدرا طريق البحث عن الحقيقة على شكل سفرٍ من أربع مراحل، يقود الإنسان أولًا إلى الله، فيتعلّم كيف يفتح ذاته لاستقبال الحكمة الروحانية، ومن ثم يعود إلى العالم كامرئ اتحد مع الله، ليعكس فيه صفاته وسجاياه السماوية.
أخبرني حائري أنه (حلم) ذات ليلة خلال أحلك سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية، وعقد الثمانينيات من القرن العشرين يغوص في لُجّة من الدماء، وآلاف لا تعد ولا تُحصى من الشباب الإيراني يسيرون إلى الهلاك على خط الجبة، قصد منزل أستاذه القديم وقلبه يعتصر ألمًا. فوجد الخميني بمفرده متربعًا على سجادة في حديقته أمام بركة ما صغيرة. وشأن العديد من الإيرانيين في ذلك الحين، كان حائري مضطربًا أشد الاضطراب إزاء أهوال الحرب التي اشتملت على هجمات صاروخية بعيدة المدى على الأحياء المدنية في مدن كلا البلدين. ففتح قلبه المثقل بالكآبة للخميني وسأل مرشده إنْ كان عاجزًا عن إيجاد سبيل إلى وقف المذبحة المروّعة.
بادره الحائري قائلًا:"حرامٌ على المسلمين أن يقتلوا مسلمين. إن مئات الآلاف يموتون في حرب لا نهاية لها ولا تخدم غاية نبيلة". لم ينبس الخميني ببنت شفة إلى أن أنهى حائري كلامه. ثم ومن دون أن يلتفت إليه، سأله الخميني بنبرة هادئة ولكن تأنيبية:"أتلوم الله أيضًا إذا أرسل زلزالًا؟".