فهرس الكتاب
في الوقت الذي جعلت فيه الجمهورية الإسلامية من علماء الدين الشيعة طبقة حاكمة ـ نخبة"حارسة"سياسية فضلًا عن كونها دينيّة ـ فإن الذي حدّد وتيرة الثورة الإيرانية لم يكن أفلاطون بل كارل ماركس. فقد تزامنت التحوّلات العنيفة التي شهدتها السياسة الشيعية في عهد الشاه مع فترة من الحركية اليسارية الجامحة في البلاد، أقبل معها رجال دين شباب على قراءة الكتب الماركسية ووجدوا أنفسهم متأثرين جدًا بالأفكار والروح الكفاحية الشيوعية. فيما شارك بعضهم الأخر نشطاء يساريين زنزانات السجن وتعلّموا منهم الشيء الكثير عن الثورة. وقد تركت المؤهّلات التنظيمية لليساريين وفعاليتهم ذات الحافز الأيديولوجي بصمتها الواضحة على بعضٍ ثالث من رجال الدين.
كان محمد طالقاني رجل دين ذا وجه نحيل وسلوك رزين، كما كان مدخنًا لا تسقط السيجارة من فمه. كان من قُدامى المناضلين ضد نظام حُكم أسرة بهلوي، وقد دخل السجن عدة مرات وفي عقود مختلفة، مرة كواعظ شاب، وأخرى كرجل دين متوسط المرتبة، وثالثة كزعيم ديني راشد قُبيل الثورة. خلال وجوده في السجن، التقى طالقاني بالعديد من اليساريين، من عُتاة الستالينيين في خمسينيات القرن العشرين إلى الصنف الشاب من الماويين الذين هيمنوا على الجامعات في سبعينيات ذلك القرن. كان منهم مفكّرون ومثقفون، كما كان من بينهم مقاتلون في حرب العصابات. وكم كان يطيب له، وهو المكرَّم في أعين محادثيه للندوب الكثيرة التي خرج بها من السجن، أن يروي طرائف ونوادر من الحياة في الزنزانة، وكان شغوفًا على الأخص بالحديث عن تفاعله مع اليساريين.