فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 86

هذا الشرق الأوسط الآخذ في الزوال حاليًا وسط حالة من الاضطراب الشديد، كان في جوهره موئلًا للمؤسّسة الحاكمة السُنّية، ومن أجلها، وفي متناولها ورهن مشيئتها. أما الشرق الأوسط الجديد، الذي يُولد حاليًا ولادةً متشنجة ـ وتتخلّل آلام ولادته السيارات المفخّخة، ولكن أيضًا الاحتجاجات السلمية والانتخابات ـ فإن ثمة هوية جديدة تحدّده وعلى قدم المساواة ... تلك هي هوية الشيعة بروابطهم الثقافية وعلاقاتهم الدينية وتحالفاتهم السياسية وصلاتهم التجارية العابرة للفوارق ما بين العرب وغير العرب. خذوا العراق مثلًا. إنه مع زعامة العالم العربي إبّان أوج القومية العربية. العراق هذا انتخب كرديًا كأول رئيس له ما بعد الحرب، وهو يُقيم علاقات أوثق مع إيران منها مع جيرانه العرب. لا بل إن شيعة العراق وأكراده، الذين يُشكّلون غالبية سكّانة، اختاروا أن يحذفوا القَسَم المعتاد بالولاء للحوية العربية في أولى محاولات البلاد سنّ دستور جديد في صيف عام 2005/ معلنين أن العراق"جمهورية فيدرالية"وليس"جمهورية عربية".

لعلّ الأعضاء المنتخبين للحكومة العراقية الناشئة ما بعد الحرب كانوا من أوائل القادة الشيعة الذين تقيم معهم الولايات المتحدة اتصالًا مباشرًا وذا معنى منذ قيام الثورة الإيرانية. وحين تحدّث الزعماء الأميركيون عن تغيير سياسة المنطقة نحو الأفضل بُعيد الحرب العراقية، فإنما كانوا يتحدثون في الواقع عن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط القديم ذي الهيمنة السُنيّة. لم يعيروا كبير التفات إلى الشرق الأوسط الجديد الآخذ بالبزوغ، ويتوجب عليهم بعدُ أن يدركوا ما ينطوي عليه من إمكانيات واحتمالات. هذا الشرق الأوسط لن تحدّد معالمه الهوية العربية أو أي شكل من أشكال الحُكم القومي. بل إن طابع المنطقة سيتقرّر في النهاية، داخل بوتقة الصحوة الشيعية والاستجابة السُنيّة لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت