فهرس الكتاب
لكن الحقيقة هي أن إيعاز السيستاني يومها لم يكن لصالح أميركا بقدر ما كان خطوة أولى نحو المطالبة بالعراق للشيعة. هذا الأمر المجهول للعديد من الأميركيين في حينه، كان بالفعل البداية لتحوّل كبير في المنطقة. فقد كان سقوط نظام صدّام حسين إيذانًا بنهاية تسلُّط السُنّة على العراق، وهذا ما أخلّ بميزان القوى بين الشيعة والسُنّة. في آذار/ مارس 2003، لم تبدّل الولايات المتحدة النظام الحاكم في العراق فحسب، وإنما اعترضت أيضًا على نظام الحكم ـ وسمَّته نظام"الهيمنة السنّية"ـ الذي ساد المنطقة ككل زمنًا طويلًا. والحال أن أخطر نتائج الحرب في العراق هي أن واحدًا من أهمّ ثلاثة بلدان ذات غالبية عربية أضحى رسميًا الدولة الأولى في العالم العربي التي تحكمها غالبية شيعية أُنيطت بها السلطة بصورة ديمقراطية. أملت الولايات المتحدة بأن يكون ذلك إيذانًا بانبلاج عصر جديد في تاريخ الشرق الأوسط ـ وبالتحديد بناء شرق أوسط ديمقراطي، علماني مزدهر اقتصاديًا. كانت الإطاحة بصدّام ونظام الأقلية السنّية التابع له، أولًا وقبل كل شيء، بشيرًا بشرق أوسط يتقلّد فيه الشيعة سلطة أكبر من أي وقت مضى، ويعيدون بذلك تشكيل بنى التحالفات والثقافات والمؤسّسات السياسية في المنطقة. ومن المرجّح أن يكون للبروز المتعاظم للشيعة أثره في كيفية تعريف هذا الشرق الأوسط الجديد لنفسه بما يتعدّى القيم التي يأملها القادة الأميركيون له. وأكثر من ذلك، في حال اقتربت المنطقة ذات يوم من تلك القيم التي تزكّيها الولايات المتحدة، فإنها ستفعل ذلك يقينًا بطريقة شيعية متميّزة تقريبًا. ص (167 ـ 168)