فهرس الكتاب
من مفاعيل فتح العراق، ظهور قيادة جديدة للشيعة ممثّلة بشخص أية الله علي السيستاني. فالسيستاني، وريث عباءة معلمه ومرشده أية الله الخوئي، برز رأسًا بوصفه الزعيم بلا منازع لشيعة العراق، وسرعان ما اعترف به الشيعة بهذه الصفة من لبنان إلى إيران وصولًا إلى باكستان. لقد حاز على محبة ملايين الناس، وعلى ما هو أهمّ من ذلك، على خُمسهم وزكاتهم وتبرعاتهم ـ وهي بمثابة اقتراع مالي بالثقة يبيِّن إلى أي حد يُجلّ الكثيرون رجل الدين كبير السنّ هذا، البعيد عن الأضواء، لا بل المنكمش على نفسه، المعروف بعيشه المتواضع وعلمه العميق. حتى وكلاء السيستاني الذين يجمعون الأموال بالنيابة عنه وينقلون آراءه في المسائل الدينية والسياسية إلى المؤمنين، ارتفعت مكانتهم أيما ارتفاع في شتى المجتمعات الشيعية خارج العراق، بما في ذلك إيران نفسها.
ينتمي السيستاني إلى المدرسة القديمة. فهو أولًا وقبل كل شيء باحثٌ ألمعي واسع الاطلاع، ممن يكنّ تقديرًا عميقًا لعلم التاريخ، ويملك موهبة استشفاف الصورة كاملةً غير منقوصة. وقد ارتقى الصفوف في النجف بفضل تحصيله العلمي. ولئن وُلد وترعرع في إيران ـ فهو سليل أسرة من العلماء في مدينة المزارات العظيمة مشهد ـ إلا أنه لم ينخرط قط في سياسة رجال الدين الإيرانيين. وقد توصل السيستاني على مرّ السنوات إلى تكريس نفسه راعيًا للعديد من المشاريع الخيرية في وطنه الأم، غير أنه لم يكن له عدد كبير من المقلّدين إلى حين سقوط صدّام حسين. قبل عام 2003، لم يكن السيستاني مشهورًا على نطاق واسع في إيران، ولم يدّعِ أحدٌ من رجال الدين البارزين في قُم أنه مرجعه في التقليد. فقط نواة صلبة صغيرة من أتباع آية الله الخوئي كانت تعرفه ونقلت ولاءها إليه بعد وفاة الخوئي.