فهرس الكتاب
في العراق، طرح السيستاني نموذجًا بسيطًا للحُكم قمينًا بأن يقبله الجميع. انطلق من موقفه حيال مبدأ حُكم الغالبية وطالب بحكومة خاضعة للمًساءلة وتمثيلية من شأنها أن تعكس الهوية الشيعية وتصونها. وكل شطر من هذه المعادلة دعم الشطر الآخر. فأن تكون الحكومة خاضعة للمُساءلة وتمثيلية معناه تمكين الشيعة من امتلاك السلطة، بينما عنت الهوية الشيعية تحصين تلك السلطة وترسيخها في الدولة والمجتمع على السواء. أما ما المقصود بالهوية الشيعية، فقد كان موضع استفهام. بالنسبة للبعض كانت تعني إدراج الفقه الشيعي في الدستور، فيما عنت للبعض الآخر إفساح المجال أمام العقائد الدينية والعبادات الشعبية الشيعية كي ترسم معالم المجتمع والثقافة. السيستاني رجل محافظ في مسائل الفقه الشرعي؛ فشكل الفقه الشرعي الشيعي الذي ينصح به غير متأثر بالحداثة. مع ذلك، فإن نطاق وطبيعة الفقه الشرعي الشيعي في الدولة والمجتمع العراقيين مسألة من المستحسن، في رأيه، ترك أمر البتّ بها إلى وقت لاحق. وكان ذلك انحرافًا مهمًّا عن سائر نماذج الحكم القائمة في المنطقة. لقد تخلّى السيستاني وبصورة أكيدة وقاطعة عن أي شيء يُِشبه نظامًا دكتاتوريًا عربيًا، كالنظام البعثي مثلًا الذي أتى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحطيمه. كما أنه لم يكن ثيوقراطيًا مدّعيًا من النوع الخميني أو أصوليًا يحلم بـ"دستور قرآني"مثلما تعوّد المتطرفون السُنّة أن يفعلوا. لقد حصر دور الإسلام في تأمين القيم والخطوط الهادية لنظام المجتمع. وفيما كان العالم غافلًا إلى حد بعيد عن أهمية ابتداعه هذا، كان يحمل إلى الشرق الأوسط الكبير، بهدوء إنما بثبات، مقاربة سياسية جديدة تُمثّل في حد ذاتها التحدّي الأكثر وجاهة والأكثر معقولية الذي قُيِّض للأصولية وضروب النزعة السلطوية الأخرى أن تواجهه في أي وقت.