فهرس الكتاب
التزم السيستاني الحذر والتعقّل، فلم يحاول أن يكون مصدر السلطة العليا بين الشيعة، بل سعى بالأحرى إلى أن يكون وسيطًا نزيهًا وباني جسور يستطيع أن يوصل الأصوات والتجمعات السياسية بعضها ببعض. لم يحاول أن يضيف خطًا أو لونًا، بل اكتفى بتأمين القماشة التي يُمكن للطائفة الشيعية أن ترسم عليها مستقبلها. كذلك لم يجرّب السيستاني أن يصنع دولة"إسلامية"مثالية، وإنما عمل فقط على منح الشيعة سلطة دستورية وقوة سياسية انتخابية بما يتماشى مع حجمهم الديمغرافي ومبدأ حكم الغالية. أما الاستخدامات السياسية التي يُمكن استنباطها من تلك القوة، فكان موضوعًا مؤجلًا ليوم آخر. كان من شأن مثل هذا الإجماع الشيعي أن يلمّ تحت مظلته ثيوقراطيينً وديمقراطيين، متدينين وعلمانيين، رجال دين وإصلاحيين. ذلك أن الكل موافقٌ على أن يكون للشيعة سلطة أكبر في البتّ بالأمور؛ ولكل مجموعة بعد ذلك أن تجادل وتضغط وتنظم وتتحالف داخل الطائفة وخارجها على السواء كي ترى خياراتها وقد اختيرت لتكون المخطط الهندسي لبناء العراق الجديد ما بعد صدّام حسين. هذا كان الدور الذي طالما لعبه كبار رجال الدين تقليديًا، وسوف يعاودون لعبه مجددًا تحت قيادة السيستاني.
بالنسبة للسيستاني، الصحوة الشيعية على المستوى الإقليمي، كانت تعني بناء هوية مشتركة لملايين البشر من عراقيين وإيرانيين ولبنانيين وباكستانيين وأفغان، بغية إنضاج المكاسب في الرأسمال السياسي الذي يُمكن لمثل هذه الهوية أن تستتبعه حتمًا. ومن وجهة نظر السيستاني ومشروعه الكبير، ليست الحروب الصغيرة المتنقّلة بين مقتدى الصدر والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة سوى تلهّيات وملهيات لا أكثر، ويُمكن التكهّن بها فوق ذلك. فصراعات القوى على التقاط حجارة شطرنج العراق الجديد ما بعد صدّام تُعتبر أمرًا مفروغًا منه.