فهرس الكتاب
مثبط العزم إزاء نطاق العُنف المُمارس ضد الشيعة، قام السياسي الشيعي البارز وسليل الأسرة المرموقة من رجال الدين، محمد بحر العلوم، وقصد السيستاني في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004. وقف أمام آية الله وضرب عصاه بغضب في الأرض قائلًا:"لا يسعنا ترك عوائلنا هدفًا لهجمات الإرهابيين. إن لكل شيء حدًّا يقف عنده. وما أن يتمّ تخطّي هذا الحدّ حتى لا يعود هناك غير الله وسلاحنا". وطلب من السيستاني أن يدعو المليشيات الشيعية إلى الردّ بالمثل. هنا أجابه السيستاني من بنبرة هادئة:"لا تفعل ذلك أرجوك. كن متمدنًا من فضلك. إننا لا نريد إشعال حرب أهلية. هذه هي النقطة الأهمّ على الإطلاق". ونزل بحر العلوم عند رغبة السيستاني. وخلال الشهور التالية من التفجيرات وسفك الدماء ـ وحتى في أعقاب تدمير مقام الإمامين العسكريين* في مدينة سامراء في شباط/فبراير 2006 ـ عاد السيستاني وكرّر النصيحة ذاتها. وبدورهم أعاد العلماء والدّعاة الشيعة ترديد كلماته بحذافيرها في خُطبهم على اتساع العراق. ومرة جديدة استمع معظم الشيعة إلى ندائه حتى بعد الصدمة الناجمة عن تفجير المقام في سامراء. وبعد كل تفجير، تقوم المساجد الشيعية المرتبطة بالسيستاني بإخبار المصلّين فيها أن الذين يقتلونهم ليسوا هم جيرانهم السُنّة بل"الوهابيون"الأغراب.
وتعلّم بريمر والإدارة في واشنطن العيش مع السيستاني في نهاية المطاف، لا بل واعتباره رصيدًا لصالحهم. والحال أن السيستاني يُمثّل صنفًا من آيات الله يختلف تمام الاختلاف عن ذاك الذي قُيِّض للأميركيين أن يعرفوه في إيران. ومثاله هذا يُذكِّرنا كم أن القيادة تبقى خطيرة الشأن، وكم أن الحقائق على الأرض ترتدي أهمية فائقة، وكذلك كم أن الشيعة باتوا مستعدين وتوّاقين إلى طرح أنفسهم لاعبين أقوى فعلًا وأشدّ حزمًا من أي وقت مضى في رسم صورة الشرق الأوسط المقبلة.