فهرس الكتاب
وعلى مستوى التحليل الجوهري، تشير الصحوة الشيعية إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية، مؤداه أن المكاسب المحقَّقة في العراق لا بد من صونها وترسيخها. فالنتيجة المتحصّلة من الحرب قد عاد بالنفع على الشيعة في كل المنطقة وليس على شيعة العراق وحدهم. غير أن الصحوة الشيعية لا تعني بأي حال قدوم ما يُرادف"الجامعة الشيعية"، وإن كان لها عدة مفاعيل واستتباعات ضمنية:
أولها، أن روابط ثقافية ودينية أمتن سوف تستمر في التشكّل بين شتّى التجمعات الشيعية في المنطقة، وأن إجماعًا سوف يتعزّز حول الحاجة إلى الدفاع عن قوتهم السياسية.
ثانيها، أن مثال العراق سوف يُمارس"تأثيرًا بالبيِّنة"على التجمعات الشيعية خارج العراق لتبدأ بالمُطالبة بأن يكون لها صوت أعلى في إدارة الحُكم داخل بلدانها.
وثالثها، أن هذه المكتسبات على صعيد القوة والجزم سوف تعزّز الأواصر الثقافية والدينية بين الشيعة، وتلك الأواصر سوف تعمل بدورها على استدامة المكتسبات التي حقّقوها على صعيدي القوة والنفوذ.
إن الصحوة الشيعية غير مقترنة بأي شكل مفرد من أشكال الحُكم. فهي لا تدل لا على انتشار جمهوريات إسلامية من النمط الإيراني، ولا على احتمال أن يُصبح العراق نموذجًا سياسيًا للحُكم في البحرين أو لبنان. فأهمية العراق لا تكمن في المسائل التفصيلية للحُكم، بقدر ما تكمن في العبرة المُستفادة، وهي أن الشيعة قادرون على المُطالبة بالمزيد وفي وسعهم الحصول عليه. لقد أطلق العراق ثمة تفاعلًا متسلسلًا، وهذا التفاعل سيشتغل على نحو مغاير في لبنان والبحرين والمملكة العربية السعودية. لكن الحصيلة الإجمالية ستكون من دون أدنى شك قوة شيعية أكبر ومزيدًا من الصلات الثقافية والعُرى الدينية الظاهرة بجلاء على امتداد الهلال الممتدّ من لبنان إلى باكستان. ص (169 ـ 177)