فهرس الكتاب
هل كان يمكن في مثل هذه الحالة أن يهيئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسبابَ دولةٍ وراثية أو حكومة شخصية لأفراد أسرته وأقربائه، ويجعل الخلافة والإمامة ( [85] ) محدودةً محفوظةً فيما بينهم ( [86] ) . والواقع أنه كان من المناسب جدًا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل ميدان العلم والعمل والسعي والجهد مفتوحًا، للحدب على عمومية الدين والإبقاء على مبادئ الإسلام للمساواة الإنسانية والإعلان الواضح عن مقياس الكرامة والفضيلة في قوله تعالى: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ ) ) [الحجرات:13] ولتكافؤ الفرص لجميع أفراد الأمة المحمدية في كل زمان للتوصُّل إلى أسمى المنازل الروحانية والمناصب الدنيوية، بفضل أعمالهم ومساعيهم وعلمهم وإخلاصهم، وبقدر مؤهلاتهم ولإثارة دفع العمل والسباق في الأمة، ويقرع أسماع الأمة النداء القرآني في كل زمان: (( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ ) ) [آل عمران:133] ، وقد بيَّنَ القرآن حقيقة أن نجاح الإنسان وسعادته وتقدمه، إنما يتوقف على سعيه الخاص الذي يبذله: (( وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى ) ) [النجم:40 - 41] .
وَصرَّح بأنه لا يحمل أي شخص حمل غيره في الآخرة، وكل شخص مسؤول عن عمله (( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ) [الأنعام:164] .
وفي الحديث الذي رواه البخاري أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سمى قبيلته الخاصة بني عبد مناف، وسمى أقربَ وأعزَّ أفراد أسرته بأسمائهم وقال: سلوني ما شئتم من مالي، ولا أغني عنكم من الله شيئًا ( [87] ) ، يقول: «يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا» ( [88] ) .