فهرس الكتاب
وبالعكس من ذلك فإنَّ الروايات التاريخية الكثيرة تدل على علو هِمَّة أفرادِ أهلِ البيت الكبار، وأخذِهم بالعزيمة، وحرصهم الشديد على اجتماع كلمة المسلمين وانتظام شملهم، ومما يدل على ذلك ما روي عن البابكي ( [125] ) أحد أصحاب زيد بن علي، قال خرجنا مع زيد بن علي إلى مكة، فلما كان نصف الليل واستقرت الثريا، فقال: يا بابكي أما ترى هذه الثريا، أترى أحدًا ينالها؟ قلت: لا! قال: والله لوددت أن يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأنقطع قطعة قطعة، وأنَّ الله أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم ( [126] ) .
يصور الكتَّاب الإماميون والمتشيعون لهم سادةَ أهل البيت كأنهم لا همَّ لهم في الحياة ولا شغل، إلا انتزاع الخلافة من أيدي المغتصبين لها، وعندهم غيظ من وقوعها في أيدي الغاصبين الظالمين، وقد أصبح ذلك الشغل الشاغل لهم والخاطر المستولي على أعصابهم وتفكيرهم، لا شأن لهم بالمجتمع الإسلامي المعاصر الذي تكوَّن بجهود جدهم -صلوات الله وسلامه عليه- ودعوته وتربيته، وبهدايته وتوجيهه الديني، ولا شأن لهم بالعبادة والزهادة والإرشاد إلى طرائق الحق، ودعوة الخلق إلى الله.
ولكنَّ التاريخ الذي لم يصطبغ بصبغة طائفية يصورهم تصويرًا أجمل وأجدر بمكانتهم في الدين وشرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبًا واقتداءً، وهنالك مقتطفات مما جاء في وصف سيدنا جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم.
يقول المؤرخون:
(قد اتََّصف الإمام الصادق التقي بنبل المقصد وسمو الغاية، والتجرد في طلب الحقيقة من كل هوى، أو عَرَض من أعراض الدنيا، فما طلب أمرًا دنيويًا، وما طلب أمرًا تشوبه الشهوات أو تحفُّ به الشبهات، بل طلب الحقائق النيِّرة الواضحة وطلب الحق، لا يبغي به بديلًا) ( [127] ) .
ويصف الإمام مالك حاله فيقول: