الصفحة 61 من 91

(كنت آتي جعفر بن محمد وكان كثير التبسم، فإذا ذكر عنده النبي اخضر واصفر، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصليًا، وإما صائمًا، وإما يقرأ القرآن، وما رأيته قط يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، وكان من العُبَّاد الزهاد الذين يخشون الله) ( [128] ) .

روي أن الإمام جعفرًا الصادق قال: (إياكم والخصومة في الدين، فإنها تحدث الشك وتورث النفاق) ورويت هذه الكلمة مسندة إلى أبيه الإمام محمد باقر ( [129] ) .

هذه الأخبار وغيرها مما يشبهها كثير، هي في جملتها تومئ إلى أنَّ الإمام الصادق ما كان يتجه إلى الانتفاض على الحكام، لأنه لا يعتقد أنها تؤدي إلى إقامة الحق وخفض الباطل إذ إنَّ الأهواء قد تحكمت ( [130] ) .

إنَّ سادةَ أهلِ البيت وكبراءَهم قد اتَّصفوا بكبر النفس وعلو الهمة واشتغالٍ بمعالي الأمور دون سفسافها، وبقوة الشكيمة ورباطة الجأش، وإيثار اليد العليا على اليد السفلى، وكانوا في سعة الحلم وبعد الأناة كالجبال الراسيات، فإذا جَدَّ الجَدُّ وكان لا بد من خوض المعركة، ثاروا كالليوث، يصدق عليهم ما قاله الشاعر الأموي الحطيئة (م 59) بدلًا ممن قال فيه هذا الشعر البليغ الذي يستحق أن يُعد من غرر المديح ودرره في الشعر العربي:

يسوسون أحلامًا بعيدًا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والحد

أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البِنَا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شَدُّوا

وإنْ كانت النَّعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا

مطاعين في الهيجا مكاشيفُ للدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد

سيرة أهل البيت وسلوكهم في مرآة التاريخ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت