فهرس الكتاب
إنَّ أعضاء الأسرة النبوية وأهل البيت الكرام، وفي مقدمتهم وعلى رأسهم سيدنا علي المرتضى رضي الله عنه وأولاده الأماجد، إنما كانوا غيارى أشد الغيرة في الرَّحِم الذي كان يصلهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كانوا يستغلون هذه النسبة لمصالح دنيوية شأن أبناء أسر الزعماء الدينيين في الديانات والأمم الأخرى، ممن ينالون تقديسًا زائدًا في كل حال، ويعاملون من أتباعهم كشخصيات تفوق البشر، وكانوا بعيدين كلّ البعد عن كسب حطام الدنيا بأسمائهم، وبناء قصور الفخر على عظامهم، وما تتحدث عنه كتب التاريخ والسيرة من حكايات لإبائهم واستغنائهم وعزة نفسهم، يُصوّر سيرتهم وسلوكهم تصويرًا يختلف تمامًا عن سيرة الطبقة المحترفة بالدين -من البراهمة والكهنة- في الديانات والملل الأخرى، فإنها تعتبر ذات قدسية وعظمة عن طريق الولادة، فهي لا تحتاج لكسب المعاش، وتحقيق حاجات الحياة إلى بذل شيء من الجهد والسعي، ونقدِّم فيما يلي بعضَ الوقائع من هذا النوع لكي يمكن تقدير مكانةِ أهلِ البيت وسيرتهم المشرقة:
(دخل سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما السوقَ لحاجة يقضيها، فساوم صاحب دكان في سلعة فأخبره بالسعر العام، ثم علم أنه الحسن بن علي رضي الله عنه سِبْطُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقص في السعر إجلالًا له وإكرامًا، ولكنَّ الحسنَ بن علي رضي الله عنهما لم يقبل منه ذلك وترك الحاجة وقال: إنني لا أرضى أن أستفيد من مكانتي من رسول لله صلى الله عليه وسلم في شيء تافه.
ويقول جويرية بن أسماء -وهو من أخصِّ خدم سيدنا علي بن الحسين المعروف بزين العابدين: (ما أكلَ عليُّ بن الحسين بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمًا قط) ( [131] ) ، وكان إذا سافر كَتَم نفسه، فقيل له في ذلك، فقال: (أنا أكره أن آخذ برسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أعطي به) ( [132] ) .