الصفحة 68 من 91

والآن نترك الحكمَ للعقل السليم، فكلُّ من رزقه الله سلامةَ العقل، وجدارةَ الإنصاف، والفرصةَ المواتيةَ للاطلاع على التاريخ الإنساني، يستطيع أن يحكم بكل سهولة في الصورة التي تصلح للدين وتتفق معه، ذلك الدين الذي أرسله الله إلى العالم كافة، رحمة وهداية للناس، والذي يدّعى أنه صالح للعمل به في كل زمان وتظهر منه نتائج باهرة لحياة الإنسان، ذلك الدين الذي يعتقد ويعلن أنَّ النبي الذي حمله إلى العالم كتب له أكبر نجاح في مجهوداته بالنسبة إلى غيره، وكان عهده في تاريخ هذا الدين ودعوته أسعد وأزهر من كل عهد آخر -وينبغي أن يكون كذلك في ضوء العقل والنقل- وأي صورة تكون أفضل وأنفع وأعظم مفخرة للإنسانية: التي يزخر تاريخها في معظم الأحوال بالتطلع إلى أسباب الأكل والشرب، والترف والنعمة والقتال في سبيل أغراض شخصية وقومية والسعي وراء الفوز بالسلطة والحكم، ثم استغلالها في خدمة مصالحها ومصالح أتباعها؟

وإن الإسلام في عهده الأول لم تقم فيه حياة الأفراد فحسب على أسس المبادئ الثابتة والهداية العامة والسعادة البشرية، بل إن مجتمعًا إنسانيًا بأسره، والمدنية ونظام الحكم وأسلوب الحياة، كل ذلك قام على هذه الأسس وكان تاريخه تصديقًا لما قاله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في إحدى المناسبات: (إن محمدًا صلى الله عليه وسلم إنما بُعث هاديًا ولم يبعث جابيًا) ( [138] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت