الصفحة 45 من 295

هذا في حين أن سياق الآيات ونصوص التاريخ والسير والروايات تدلُّ بأجمعها على أن آية {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...} [المائدة/55] جاءت ضمن النهي عن مودَّة اليهود والنصارى والتحالف معهم ونصرتهم على المسلمين حيث نجد أن بداية الموضوع كانت في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة/51] ، ثم قال تعالى بعد ذلك في السياق ذاته ولأجل مواصلة المعنى الذي تم التأكيد عليه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة/55] [1] .

(1) نهى الله تعالى في القرآن الكريم المؤمنين عن اتخاذ الكفار أولياء وعن اتخاذ غير المؤمنين بطانةً أي مقربين يطلعونهم على أسرارهم [آل عمران/118] ، ونهاهم أيضًا عن مولاة المنافقين ممن لم يلتحق بالمؤمنين ولم يهاجر معهم فقال: {...فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} [النساء/89] ، كما نهاهم عن مولاة الكفار وأهل الكتاب الذين يسخرون من دين المؤمنين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ...} [المائدة/57] ، بل نهى من مولاة الكفار المعادين للإسلام حتى ولو كانوا آباء المؤمنين أو إخوانهم [النساء/144] و [التوبة/23] . ونهى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء لأن بعضهم أولياء بعض [المائدة/51] ..ونهى الله عن مولاة المنافقين الذين يعتبرون ما ينفقونه من زكاة غرامةً وأتاوةً [التوبة/98] والذين {لا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة/54] ، وفي مقابل ذلك دعاهم إلى مولاة المؤمنين الذي يؤتون الزكاة خاضعين لله وراغبين بطاعته ويقيمون الصلاة برغبة وإقبال أي المؤمنين الصادقين في إيمانهم، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ} [المائدة/55، 56] ، وقد استخدمت الآية صيغة المضارع في بيان أفعال المؤمنين للدلالة على استمراريتها ودوامها، والآيات 22 إلى 25 من سورة المعارج أي قوله تعالى {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ} [المعارج/23-25] تؤيد تمامًا هذا المعنى والقول الذي قلناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت