الصفحة 7 من 295

ورغم أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم كان زبدة الخليقة وكانت ماهيته وصورته مبعث دهشة أهل العلم والحقيقة، إلا أنه كان متواضعًا ومنكسرًا أمام الله إلى درجة أنه كان يهتم بعبوديته لربه تعالى أكثر من اعتزازه برسالته، وبمجرَّد أن سمع بعض المتملّقين يمدحونه بما كانوا معتادين على مدح صناديدهم وكبرائهم به قال: «لا تَرْفَعُونِي فَوْقَ حَقِّي فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى اتَّخَذَنِي عَبْدًا قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَنِي نَبِيًّا» [1] . وقرَّر بأمر من ربه أن يعلن المسلمون هذا المنصب -منصب العبودية- في كل تشهّد في صلواتهم التي يؤدُّونها صباح مساء حيث يشهدوا أمام ساحة القدس الربوبية الأحدية بعبودية النبيِّ لِلَّهِ تعالى قائلين: «وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله» مقدمين وصفه صلى الله عليه وآله وسلم بالعبودية على وصفه بالرسالة كي يُعلَمَ أن شرف العبودية مُقَدَّمٌ على مقام الرسالة.

كما روى خادمه «أنس بن مالك» أن بعض الناس لما خاطبوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بقولهم: «يَا رسول الله! يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا وَخَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا» قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِتَقْوَاكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ! أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَاللهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ» [2] .

(1) محمد بن محمد بن الأشعث (قرن 4 هـ) ، «الأشعثيات» [ويُسَمَّى أيضًا «الجعفريات» ] ، ص 181. وَالقطب الراوندي (573هـ) ، «النوادر» ، ص 16. (تر)

(2) الإسلام في القرن العشرين، ص126. قلتُ (المترجم) : أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده بسنده عن أنس بن مالك، 3/153، و3/241. وقال محققه شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن صحابيّه لم يخرج له سوى مسلم. (تر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت