الصفحة 36 من 53

فهو في حكم المذهب لم يدخل دائرة الإيمان تلك الدائرة التي خُصَّت بالشيعي الإمامي، وحرم على غيره الدخول فيها، ولما كانت أدلة تحريم تلك المحظورات الشرعية تختص عندهم بالمؤمن- الشيعي الإمامي- حصرا، فمعنى ذلك أنّها تجوز في حق من عداه، وبذلك تجوز في شريعة هذا مذهب الموبوء غيبتنا، والوقيعة فينا، وفي أعراضنا، ولعننا، حكمنا في ذلك حكم الكافر عندهم الذي لم يدخل الإسلام، ولم يتحصن بحصن لا إله إلا الله محمد رسول الله !! ثم أفاض في بيان علة ذلك التجويز بقوله: [وتوهم عموم الآية-كبعض الروايات- لمطلق المسلم، مدفوع بما علم بضرورة المذهب من عدم احترامهم] ، والمعنى أنّه لما كان تحريم غيبة إنسان ما، أو الوقيعة فيه، أو لعنه، فيه حفظ لقدره، ودلالة لازمة على احترامه، وتوقيره؛ لذا وجب منع ذلك في حق المسلم المخالف- غير الشيعي- كونه بحكم المعلوم بضروريات المذهب [1] ،

(1) يتأكد لنا من هذا القول للأنصاري ومن مثله الصادر عن سابقه رئيس المذهب النجفي أنّهم لم يكونوا مبتدعين فيما ذهبوا إليه من جواز لعننا وغيبتنا وإثبات الكفر الأصلي لنا، وليسوا أصحاب سبق في ذلك، بل هم نقلوا ما جاء مقطوعًا به من ضروريات المذهب، الأمر الذي يثبت وبشكل واضح أن تكفيرنا كأصل عندهم ليس هو محط خلاف فيما بينهم، بل خلافهم في كيفية تبني وعرض ذلك الأصل في حال الضعف وغياب التمكين، ففي حين يقع إجماع المتقدمين وجمع ممن وافقهم من المتأخرين على القول به في كل حال والالتزام بتبعاته مع الحرص على كتمانه وعدم إشاعته بين الناس، يرى غالب المتأخرون أن الأسلم لأتباع المذهب والأنفع لهم - في ضمان مخالطتنا ومؤاكلتنا ومناكحتنا- هو ادعاء إثبات الطهارة لنا ليس على وجه الحقيقة بل بشكل ظاهري ومنقوص، حتى حصول التمكين حينها يُرجع إلى قول المتقدمين وتجري في حقنا كل أحكام الكفر والنجاسة!!.

وسأقتطع من أرشيف أحد علمائهم المعاصرين وآية من آيات مذهبهم- من القائلين بالإسلام والطهارة- والمدعو محمد آصف المحسني قولًا ينتقد فيه علامتهم محمد باقر المجلسي (أحد أشهر علماء الإمامية التكفريين على الإطلاق والذي ظهر في فترة حكم الدولة الشيعية الصفوية الفارسية) لأسوقه مثالًا على حقيقة اشتراكهم جميعًا في تكفير المسلمين وأن خلافهم ليس أكثر من خلاف على أسلوب العرض والتقديم لا على أصل المعتقد. فالمجلسي حين تعرض بالشرح والتفسير لروايات الشيعة التي تكفر الشيخين أبا بكر وعمر وباقي الصحابة الكرام (والتي جاء ذكرهم فيها مُرَمَّزًا بمفردات وعبارات مبهمة كـ"فلان وفلان أو الأول والثاني") فإنه صرح (باعتبار وجوده في دولة"التمكين الشيعية"- الدولة الصفوية- في وقتها ) بأن المراد من أولئك الأشخاص المُرمَّزين والمُكفرَّين أعيان الصحابة وذكر أسمائهم صراحة، الأمر الذي أثار حفيظة علامتهم المعاصر محمد آصف المحسني فوجه إليه عتابًا حادًّا ولومًا شديدًا ليس على تكفيره لتلك النخبة"المصطفاة والمزكاة من رب العزة العظيم في كتابه الكريم"بل على تصريحه بأسمائهم، الأمر الذي عرض الشيعة المستضعفين (على حد قوله) في غير دولة التمكين (الدولة الصفوية) أو في غير زمانها للتضييق والأذى من قبل باقي المسلمين.. فقال في كتابه (مشرعة بحار الأنوار) (2/39) [يتوجه إليه السؤال في تفسير ضمائر التثنية في الروايات المنتشرة في كتابه بفلان وفلان مع أن المراد مفهوم للكل من دون التفسير المهيج للعداء والنزاع والمسبب لسفك دماء المؤمنين ونهب أموالهم وإذلالهم، غفر الله لنا وله ولجميع العلماء العاملين وكافة المؤمنين] ، وكرر انتقاده له في نفس الكتاب (2/167) ، فقال: [ لم يُمسك المؤلف قلمَه عن السب، والتفسيق، والتكفير، والطعن في جملة من أجزاء بحاره بالنسبة إلى قادة المخالفين، والله يعلم أنها كم أضرّت بالطائفة نفسًا وعرضًا ومالًا، على أنّه هو الذي نقل الروايات الدالة على وجوب التقية وحرمة إفشاء الأسرار، وأصرَّ على التصريح بمرجع ضمائر التثنية في الروايات مع أن عوام المؤمنين يعرفونه فضلًا عن خواصهم فأي فائدة في هذا التفسير سوى إشعال نار الغضب والغيظ والانتقام، ولا أظنه قادرًا على بيان جواب معقول على سلوكه هذا] ، وقال في نفس الكتاب (2/235-236) : [ثم أن هنا اعتراضًا صعبًا وهو أن في نقل هذه الروايات - حتى وإن فرضت صحتها فضلًا عما إذا كانت غير معتبرة أو ضعيفة التي لا تفيد الحق وأهله شيئًا -إفشاء الأسرار وترك التقية وإضرار المؤمنين، ولا يبقى مثل كتاب بحار في أصفهان وسائر بلاد المؤمنين وقراهم والله يعلم الأضرار المصيبة للمؤمنين في الهند وباكستان، وبعض البلاد العربية من جرّاء هذه الأحاديث، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، والعلامة المؤلف العادل يعلم حرمة كل من العناوين الثلاثة في الفقه، والفقير ذكر في بعض كتبه وجْهًا لعمله وعمل أمثاله من العلماء، ولم أجد في كلامه عذرًا لإقدامه على ارتكابه لإفشاء الأسرار وترك التقية، ونقل ما أوجب الإضرار للمؤمنين والهادي عفى الله عنه وعن الجميع] . والواقف على كلامه سيجزم بدون أي شك بعدم افتراقه عن المجلسي قيد شعرة في تكفير صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل الخلاف كان على التصريح بذلك التكفير فقط لا غير!!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت