قال أبو حنيفة: اجلس مكانَك كما يحق لي، فإنَّ لك حرمة كحُرمة جَدِّك - عليه السَّلام - في حياته على أصحابه.
فجلس، ثم جثا أبو حنيفة بين يديه، ثم قال: إنِّي أسألك عن ثلاث كلمات، فأجبني، الرجل أضعف أم المرأة؟
قال الباقر: المرأة أضعف.
قال أبو حنيفة: كم سهم المرأة في الميراث؟
قال الباقر: للرجل سهمان، وللمرأة سهم.
قال أبو حنيفة: هذا عِلْمُ جَدِّك، ولو حَوَّلتُ دِينَ جَدِّك، لكان ينبغي القياسُ أنْ يكون للرجل سهمٌ، وللمرأة سهمان؛ لأن المرأة أضعفُ من الرجل.
ثم الصلاة أفضل أم الصَّوم؟
قال الباقر: الصلاة أفضل.
قال أبو حنيفة: هذا قول جَدِّك، ولو حولتُ دين جدك، لكان أنَّ المرأة إذا طَهُرت من الحيض أمرتُها أن تقضيَ الصلاة، ولا تقضي الصوم.
ثم البول أنجس أم النُّطفة؟
قال الإمام الباقر: البول أنجس.
قال أبو حنيفة: لو كنتُ حولْتُ دينَ جَدِّك بالقياس، لكنت أمرت أنْ يُغتسلَ من البول، ويُتوضَّأ من النُّطفة، ولكنْ معاذَ الله أنْ أحَوِّل دين جدك بالقياس، فقام الإمام الباقر، وعانقه، وقَبَّل وجهه" [4] ."
وهذه الواقعة بعَيْنِها يَرويها الكليني، وينسبها إلى أبي حنيفة على النَّحو التالي:
"يقول أبو حنيفة: استأذنت عليه؛ (أي: الإمام الصادق) ، فحجبني، وجاءه قوم من أهل الكوفة واستأذنوا، فأَذِنَ لهم، فدخلت معهم، فلما صرت عنده قلت: يا ابنَ رسول الله، لو أرسلت إلى أهل الكوفة، فنهيتهم أن يشتموا أصحابَ مُحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإنِّي تركت فيها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم."
فقال: لا يقبلون مني.
فقلت: ومن لا يقبل منك، وأنت ابن رسول الله.
فقال الصادق: أنت أول من لا يقبل مني، دخلتَ داري بغير إذْنِي، وجلست بغير أمري، وتكلمت بغير رأيي، وقد بلغني أنك تقول بالقياس.
فقلت: نعم.