أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى منَّ على البشرية جميعًا بمنة عظيمة، وهي إرساله جل وعلا إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين؛ لئلا يكون لهم حجة بعد الرسل، فالأنبياء والمرسلون هم الذين يقودون موكب البشرية، وفي صدارة البشرية أصحابهم وحملة دعوتهم من بعدهم، ويأتي في طليعتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد تحقق فيهم رضي الله عنهم ما لم يتحقق في غيرهم منذ بدء الخليقة إلى قيام الساعة، فعوامل الخير التي تجمعت فيهم لم تجتمع في جيل قبلهم أو بعدهم، ولهذا كان لهم من الشرف والكرامة عند الله جل وعلا ما ليس لغيرهم، ذلك لأنهم أخلصوا دينهم لله، وجردوا متابعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على التمام والكمال، ودافعوا عنه في جميع الأحوال، هان عليهم في سبيله الأموال والأولاد والأرواح والدماء، غادروا الأوطان وهي عزيزة عليهم راضين مختارين، مخلفين وراءهم كل شيء إلى أراضٍ لا عهد لهم بها، وأمم لا نسب ولا ألفة بينهم وبينها، ومكثوا وراء البحر في بلاد الحبشة سنين وأعوامًا، حتى أعز الله دينه، ونصر جنده، وأعلى كلمته، كما خرجوا من مكة مهاجرين إلى المدينة كل على قدر حاله وقوته: إما سرًا، وإما إعلانًا، وكان من جملة المهاجرين من مكة صهيب بن سنان الرومي فاتبعه نفر من قريش فقالوا له: «أتيتنا صعلوكًا حقيرًا فكثر مالك عندنا، فبلغت ما بلغت، ثم تنطلق بنفسك ومالك؟! والله لا يكون ذلك، فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي، قالوا: نعم. ففعل، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: ربح البيع أبا يحيى.