فهرس الكتاب
الموصوفون في الآية الأولى من هذه الآيات بالصفات الثلاث التي هي الإيمان والهجرة والجهاد، هم المهاجرون الأولون، الذين تركوا ديارهم وأموالهم وأولادهم إيثارًا لله ولرسوله من أجل إعلاء كلمة الله، وإظهار الدين الإسلامي الحنيف على سائر الأديان سواه؛ لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، والموصوفون في الآية نفسها بالإيواء والنصرة هم الأنصار الذين هم الأوس والخزرج، فإنهم آووا الرسول وأصحابه المهاجرين في منازلهم، ونصروا نبي الله عليه الصلاة والسلام بمقاتلة أعداء الدين، ثم بين سبحانه الولاء والتلاحم الثابت بين المهاجرين والأنصار بقوله: (( أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) ) [الأنفال:72] أي: في النصرة والمساعدة. وهذا مما يؤكد قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، والآية الأخيرة من الآيات السابقة أخبر تعالى عنهم بحقيقة الإيمان، وأنه -سبحانه- سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن ذنوبهم إن وجدت، وبالرزق الكريم، وهو الحسن الكثير الطيب الشريف الدائم الأبدي المستمر الذي لا ينقطع ولا ينقص، ولا يسأم ولا يمل لتنوعه وحسنه.
قال العلامة ابن كثير عند قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا ) ) [الأنفال:72] الآية: ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك.
وإلى أنصار -وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك- آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض... وقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ) ) [الأنفال:72] ، بل أقاموا في بواديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب، ولا في خمسها، إلا ما حضروا فيه القتال.. اهـ ( [97] ) .