فهرس الكتاب
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فالصحابة رضي الله عنهم خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم. وقال مالك رضي الله عنه: (بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضي الله عنهم الذين فتحوا الشام، يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا) . وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نوه الله تبارك وتعالى بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة، ولهذا قال -سبحانه- ههنا (( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ) ) [الفتح:29] ، ثم قال: (( وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) ) [الفتح:29] أي: فراخه (( فَآزَرَهُ ) ) [الفتح:29] أي: شده وقواه (( فَاسْتَغْلَظَ ) ) [الفتح:29] أي: شب وطال (( فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ) ) [الفتح:29] أي: فكذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه كالشطء مع الزرع، (( لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ ) ) [الفتح:29] ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك رحمة الله عليه في رواية عنه تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم قال: (لأنهم يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة رضي الله عنهم فهو كافر لهذه الآية) ، ووافقه طائفة من العلماء رضي الله عنهم على ذلك... ثم قال تبارك وتعالى: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ ) ) [الفتح:29] من هذه لبيان الجنس، (( مَغْفِرَةً ) ) [الفتح:29] أي: لذنوبهم، (( وَأَجْرًا عَظِيمًا ) ) [الفتح:29] أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا، ووعد الله حق وصدق لا يخلف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة رضي الله عنهم فهو في حكمهم، ولهم الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل ( [112] ) .