فهرس الكتاب
ولم تصرح الآيات مع هذه الأذية بتكفيرهم، ولم تأمر بقتلهم بذلك، وإن كان في نفسه من الذنوب الكبيرة، ولقد سب البعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حياته فنهى عن سب أصحابه، ولم يبين أن أذيته بسبهم تستوجب قتلًا أو كفرًا وردة، ولقد آذى البعض النبي صلى الله عليه وسلم برمي عائشة رضي الله عنها كذبًا وزورًا في حادثة الإفك، ومع ذلك لم يأمر بقتلهم، وأقام حد القذف فقط على من ثبت عليهم القذف منهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم في شأن الذي تولى كبر حادثة الإفك: «من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي» ( [189] ) ولم يأمر بقتله، وقد جاءت الآيات الكثيرة في النهي عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيها أن ذلك يستوجب القتل، فليس كل إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم يوجب قتل فاعله.
2-أن قتل المسلم لا يكون إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق عمدًا ( [190] ) ، كما ثبت في الحديث (الحديث في الصحيحين) ، ومن سب الصحابة معصوم الدم بإسلامه فلا يباح دمه إلا بيقين.
3-أن سب الصحابة يوجب التعزير، والإغلاظ في التعزير لا يستلزم القتل، والتعزير بالقتل محل خلاف، وأكثر العلماء لا يجيزون التعزير بالقتل، والصحابة أنفسهم لم يعزروا الساب لهم من أهل البدع والأهواء من الناصبة والخوارج بقتلهم لمجرد السب لهم، وعلى ذلك عمل السلف وفتاويهم:
قال ابن حبيب: من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبًا شديدًا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد، ويكرر ضربه، ويطال سجنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أحمد في من سب الصحابة: (أما القتل فأجبن عنه؛ لكن أضربه ضربًا نكالًا) .