الصفحة 59 من 750

ومعلوم من السيرة أن عليًا رضي الله عنه بايع للخلفاء الثلاثة، وكان معهم على السمع والطاعة، فصلى خلفهم وجاهد معهم، وكان مستشارهم والمعاون لهم في الحوادث التي تعرضوا لها، ولو كان عند علي نص بالخلافة ما تركه، ولا تركه الصحابة رضي الله عنهم، ولا كان الاجتماع في السقيفة -سقيفة بني ساعدة- ولا كان التشاور في أمر الخلافة، ولا اجتمع القوم على البيعة لأبي بكر ومن بعده، وهذا لاشك فيه عند أي عاقل منصف.

وعلي بن أبي طالب من أفضل الصحابة، ومن العشرة المبشرين بالجنة، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره على فاطمة سيدة نساء هذه الأمة رضي الله عنها، وهو أحد السابقين إلى الإسلام، فهو أول من أسلم من الصبيان، وأحد العلماء الربانيين، والشجعان المشهورين، والزهاد المذكورين، والخطباء المعروفين، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أيامًا حتى يؤدي عنه أمانة الودائع التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يلحقه بالمدينة، ففعل ذلك، وكان مبيته ليلة الهجرة بفراش النبي صلى الله عليه وسلم والكفار يتربصون به مثلًا رائعًا من أمثلة التضحية والفداء.

بويع لعلي بن أبي طالب بالخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ذلك أن المسلمين ظلوا حيارى بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، فلم يجدوا للخلافة أفضل من علي بن أبي طالب، ولكنه رفضها بشدة، كراهة أن يتولاها بعد عثمان رضي الله عنه الذي قتل مظلومًا، فلما ألحوا عليه قَبِل؛ خشية بقاء المسلمين بدون إمام، وبايعه الناس على ذلك، وثبتت له البيعة، أما ما قيل عن تخلف البعض عن بيعته- خاصة في الشام - فلا تضر؛ لأن البيعة لا يشترط لها الإجماع التام، فمخالفة البعض للأكثرية لا تضر هنا، وقد بدأ خلافته رضي الله عنه بتغيير ولاة عثمان على العديد من الأمصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت