الصفحة 61 من 750

وبعد الاتفاق على التحكيم ظهرت فرقة الخوارج تكفر عليًا ومعاوية وأجلاء الصحابة، وتعتدي على حرمات المسلمين ودمائهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب حتى كسر شوكتهم، فحاز بذلك أجر قتالهم الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم لمن يقتلهم قتل عاد، ودل ذلك أيضًا على أن جماعة علي رضي الله عنه هي التي على الحق، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( [86] ) ، وكما دل عليه الحديث الصحيح «ويح عمار تقتله الفئة الباغية» ( [87] ) .

وعند التحكيم: مال أبو موسى الأشعري إلى خلع علي، رغبة في إنهاء الصراع بينه وبين معاوية لتجتمع الكلمة على غيره، وتحقن الدماء بذلك، أما عمرو بن العاص فأقر خلع علي ورأى أن تبقى الشام تحت يد معاوية، وما كان لأبي موسى بمفرده أن يخلع عليًا، وما كان لعمرو بمفرده أن يثبت البيعة لمعاوية، خاصة وأن النزاع لم يكن يتعلق بأيهما أحق بالخلافة ( [88] ) .

أما من اعتزل الفتنة من الصحابة رضي الله عنهم، فقد رأوا أن الاعتزال أفضل في هذه الفتنة، كراهية قتال إخوانهم من المسلمين وانتهاك الدماء والأموال، فآثروا مجانبة الفريقين، وفي الحديث المرفوع: «إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الراكب» .

وعزم البعض من بقايا الخوارج على قتل علي ومعاوية وعمرو رضي الله عنهم في ليلة واحدة، فكان مقتل علي بن أبي طالب بواسطة عبد الرحمن بن ملجم عليه من الله ما يستحقه.

وهكذا تمخضت أحداث الفتنة عن انقسام وفرقة وقتال، وكان يمكن أن تستمر هذه المآسي لولا أن الله عز وجل حقن دماء المسلمين، ووحد الأمة من جديد، بتنازل الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه، وقد نجمت من هذه الأحداث نشأة العديد من الفرق منها:

الشيعة: المناصرون لأهل البيت العلوي، والذين غالوا فيه بعد ذلك وكفروا جمهور الصحابة، ونادى غلاتهم بألوهية علي بن أبي طالب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت