ودون أولئك أقوام من الشيعة ادعوا العصمة لبعض أئمة أهل البيت وأوجبوا طاعتهم، وتقديم هذه الطاعة على طاعة غيرهم، وجعلوا أقوال أئمة أهل البيت حجة في الشرع، بها يحللون ويحرمون، فدفعهم هذا النوع من الغلو إلى مساواتهم بالأنبياء، لذا قالوا: منزلتهم لا تقل عن رتبة الأنبياء بل تفوقهم، ثم دفعهم ذلك بالتالي إلى الطعن في الصحابة وسبهم؛ إذ لم يعرف فيهم مثل هذا التقديس والغلو في أهل البيت، فزعموا أن الصحابة بدلوا وغيروا وحرفوا في دين الله تعالى!!
فهذه بعض صور الانحراف عن الجادة، عن إنصاف أهل السنة والجماعة في نظرتهم لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته رضي الله عنهم جميعًا، وقد وصل هذا الانحراف إلى حد كبير ومدى بعيد في هذا الزمان، الذي اندثرت فيه واختفت الكثير من معالم وملامح عقيدة أهل السنة والجماعة الطائفة المنصورة.
لذا كان لابد من بيان الحق في ذلك كله، وتوضيح مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، وبيان ضلال من خالفهم، ومقدار ابتداع من حاد عنهم، وهذا البحث المختصر-على طوله- جهد متواضع في خدمة هذا الغرض الذي هو من واجبات الدين، فإن محبة الصحابة؛ خاصة المهاجرين والأنصار، ومحبة أهل البيت؛ خاصة فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين من الإيمان، وبغضهم من الكفر، وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «المرء مع من أحب» ( [1] ) .
فحبهم باب لخير كثير يوم القيامة لمن امتلأ به قلبه، والإنصاف في حقوق هؤلاء الأخيار واجب، فلا غلو فيهم، ولا انتقاص أو بخس لمكانتهم وقدرهم، وهذا هو منهاج الاعتدال الذي كان عليه سلفنا الصالح، الذي من خرج عنه عرض نفسه للضلال والابتداع:
فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
فمن خالفهم فيما كانوا عليه مع الاعتدال والإنصاف، فهو من أهل الفرقة والاختلاف.
وفي تفسير قوله تعالى: (( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ) ) [آل عمران:106] .