الصفحة 75 من 750

كما أن أبا بكر لم يكن غريمًا لها في هذه القضية، فهو لم يدع التركة لنفسه وإنما هي صدقة لمستحقها، حرم منها فاطمة رضي الله عنها كما حرم منها زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وفيهن ابنته عائشة، وفيهن حفصة ابنة عمر، وفي الورثة كذلك العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فإن ريع فدك وكذلك خمس خيبر أبيح لآل البيت يأكلون منه حاجاتهم، كما كانت الحال في حياته صلى الله عليه وسلم، والباقي صرف حيث كان يصرف النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد عن حاجاته منه، وهذا علي رضي الله عنه لما تولى الخلافة لم يقسم تركة النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيرها عن مصرفها.

ثم إن أبا بكر قد أعطى عليًا وبنيه المال الكثير، ولماذا يتمسك أبو بكر بمنع الورثة وهو يعلم أن ذلك قد يسبب المنازعة، وربما المنازعة على الولاية؟ لكنه التمسك بما ثبت عنده من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أما آية المواريث فهي مخصصة بذلك، كما خصصت بأن لا يرث الكافر ولا القاتل عمدًا وغير ذلك، وقوله تعالى: (( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ) [النمل:16] فإن لفظ الإرث يستعمل في إرث العلم والملك وغير ذلك، قال تعالى: (( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا ) ) [فاطر:32] وقال تعالى: (( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا ) ) [الزخرف:72] وفي الحديث: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم» رواه أبو داود، فالمراد: إرث العلم والنبوة، إذ معلوم أنه كان لداود أولاد كثيرون غير سليمان لا يختص سليمان بماله، وليس في كونه ورث ماله صفة مدح لهما، فإن البر والفاجر يرث أباه، والآية سيقت في مدح سليمان وما خص به، وكذلك قوله تعالى: (( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ) [مريم:6] لأنه لا يرث من آل يعقوب أموالهم، إنما يرثهم أولادهم وذريتهم، ثم إن زكريا عليه السلام لم يكن ذا مال وكذلك يحيى عليه السلام كان من أزهد الناس ( [110] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت