الصفحة 86 من 750

فإن قيل: ألم يكن في الصحابة أقعد بالأمر من معاوية؟ قلنا: كثير! ولكن معاوية اجتمعت فيه خصال، وهي أن عمر جمع له الشامات كلها وأفرده بها، لما رأى من حسن سيرته وقيامه بحماية البيضة، وسد الثغور، وإصلاح الجند، والظهور على العدو، وسياسة الخلق، وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاوية: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا، واهد به» رواه الترمذي في المناقب، والإمام أحمد في مسنده وسيأتي قريبًا، وشهد بخلافته في حديث أم حرام «أن أناسًا من أمته يركبون ثبج البحر الأخضر ملوكًا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة وكان ذلك في ولايته» ) ( [128] ) .

(وقد تكلم العلماء في إمامة المفضول مع وجود من هو أفضل منه) ( [129] ) (وأما جمهور الفقهاء والمتكلمين فقالوا: تجوز إمامة المفضول، وتصح بيعته، ولا يكون وجود الأفضل مانعًا من إمامة المفضول إذا لم يكن مقصرًا عن شروط الإمامة، كما يجوز في ولاية القضاء تقليد المفضول مع وجود الأفضل؛ لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار، وليست معتبرة في شروط الاستحقاق) ( [130] ) .

أما تولية معاوية لابنه يزيد والعهد له بالخلافة من بعده، فهذا اجتهاد منه رضي الله عنه، فقد رأى لابنه يزيد من القوة العسكرية والألمعية ما يؤهله لتولي الخلافة؛ فتكون قوته قوة للمسلمين، كما أنه رأى أن للأمويين شوكة ومنعة تكفي لاجتماع الكلمة عليهم، فخشي أن تقع الأمة في صراع جديد من بعده فتضعف قوة المسلمين، فجعل العهد لابنه، وهو في ذلك قد ترك الأفضل في أن يجعلها شورى، وفي أن لا يخص بها أحدًا من قرابته ( [131] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت