ورغم هذا الاعتقاد الواضح من اليهود في حق الله تعالى ووصف الذات الإلهية بالبخل والجهل وقولهم بالبداء، إلاّ أنهم حين أرادوا الطعن في الإسلام، استخدموا فكرة البداء لإنكار رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - والطعن بالقرآن الكريم، مدعين أن الناسخ والمنسوخ دليل على أن القرآن ليس من عند الله تعالى؛ لأن النسخ - حسب زعمهم - يستلزم البداء وسبق الجهل، وهذا ناتج عن حقدهم على الإسلام الذي جاء ناسخًا للشرائع السابقة ومهيمنًا عليها، يقول الإمام القرطبي:"وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئًا واحدًا، ولذلك لم يجوزوه فضلوا" (24) .
... وهذا الاعتقاد معلوم فساده؛ لأن الناسخ والمنسوخ معلوم لله تعالى من قبل، فلم يتجدد علمه بهما، وهو سبحانه ينقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة معلومة له من قبل بمقتضى حكمته وتصرفه المطلق في ملكه: { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } (الأنبياء:23) .
المبحث الثاني
عقيدة البداء عند الشيعة
أولًا: عقيدة البداء عند الشيعة القدماء:
... لقد أجاز الشيعة على الله تعالى البداء، أي يظهر له أمر بعدما كان خافيًا عليه - تعالى الله عن قولهم - وقد أكد هذا القول الإمام الرازي بقوله:"قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، وهو أن يعتقد شيئًا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده" (25) .
... وقد ذكر الإمام الأشعري اتفاق عامة الشيعة على القول بالبداء فقال:"وعامة الروافض يصفون معبودهم بالبداء ويزعمون أنه تبدو له البداوات" (26) .
... وأكد قول الإمام الأشعري شيخ الشيعة محمد بن النعمان العكبري الملقب بالمفيد والمتوفى سنة 381هـ ، حيث ذكر اتفاق الإمامية على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى فقال:"واتفقت الإمامية على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى، وإن كان ذلك من جهة السمع دون القياس" (27) .
... ولكن الإمام الأشعري بيّن اختلاف الشيعة حول قضية البداء وافتراقهم إلى ثلاث فرق: