... ومن المعلوم أن كل فكرة ضالة تجد لها أتباعًا من شياطين الإنس يروجون لها ومن ذلك فكرة البداء حيث يعتبر المختار الثقفي (11) أول من أظهر القول بالبداء على الله تعالى وأعلن به في عصر الإسلام متبعًا اليهود ومروجًا لأفكار ومعتقدات عبد الله بن سبأ ما ظهر منها وما بطن ، وذلك عندما بعث مصعب بن الزبير جيشًا مجهزًا لغزوه، فأرسل إليه المختار جيشًا بقيادة أحمد بن شميط مؤلفًا من ثلاثة آلاف مقاتل، وقال لهم قد أوحى إليَّ أن الظفر سيكون لكم، ولما انهزم ابن شميط، بعد المعارك التي دارت بينه وبين مصعب بن الزبير، قال له المختار: إن ربي قد وعدني النصر ثم بدا له، وتلا عليه قوله تعالى: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } (الرعد:39) ، وكان في بعض الأحيان يخبر أصحابه بأمور ينسبها إلى الله يستغل بذلك المغفلين والبسطاء من أتباعه فإذا انكشف لهم خلاف ما أخبر به، قال لهم بدا لربكم، وأما إن وافق قوله جعل ذلك دليلًا على صدق دعواه، وكان لا يفرق بين النسخ والبداء حيث قال إذا جاز النسخ في الأحكام جاز البداء في الأخبار (12) . ...
... راجت مقالة المختار الثقفي بين الشيعة وأصبحت من عقائدهم، وقال بها الإمامية ونسبوها إلى أئمتهم لتأخذ طابع القداسة والثبات حيث ربطوها بمسألة الإمامة، فظهر القول بها أيام جعفر الصادق - وهو الإمام السادس عند الشيعة - فقد نص على ابنه إسماعيل من بعده، وقد سبب موت إسماعيل قبل موت أبيه اضطرابًا لدى الشيعة فنسبوا إلى الصادق قوله: بدا لله في إسماعيل، ولم تكن حادثة إسماعيل هي الوحيدة التي عولجت بالبداء، فقد أعد على الهادي الإمام العاشر ابنه محمدًا لتولي الإمامة، لكنه توفي -أيضًا- في حياة أبيه فعولج الأمر بالبداء فصارت لابنه الثاني الحسن العسكري، كما عالجوا اختلاف توقيت القائم بالبداء (13) .