فهرس الكتاب
قلت: هذا تجويزٌ من قائله، ولم يَرِدْ في شيء من مصادر الخبر نَقْلُ كراهية بريدة أو إنكاره، فضلا عن ردِّه وامتناعه عما ناوله معاوية، ولو كان بُريدة رضي الله عنه يظن ذلك لما جلس هذا المجلس، ولَنَقَلَ ابنُه استفهامَه على أقل تقدير، ثم إن مما يتبادر للذهن أن الشراب هو اللبن، بدليل أن معاوية في سنّه هذه لا يُفَضِّلُ عليه غيره؛ كما في آخر الخبر، والله تعالى أعلم.
إلا أن آخر ما يمكن أن يُفهم هو أن معاوية شَرِبَ الخمر!! كيف وهو ينص في الخبر ذاته على أنه لم يشربها قط! وأنَّه عَلِمَ النَّهْيَ عنه مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وروى عنه حديثَ جلد الشارب ثلاثا، ثم قتله في الرابعة، ومن شدَّته في مسألة المسكر أنه أمر بقتل السكران إذا قَتَل، مع أن بعضهم لا يوقعه.
والشاهدُ الذي أوردتُ الخبر لأجله: الجُملةُ الأخيرة من كلام معاوية، وبيانُ إكرام معاوية لإخوانه الصحابة، ووفادتهم عليه، رضي الله عنهم أجمعين، كما قصدتُ دفع الإيهام الذي قد يثيره بعضُ أهل الهوى؛ ممن تنقلب الفضائل في مخيلتهم إلى مثالب! وأطلتُ قليلا في هذا لأني رأيت بعضَ مُحْدَثي الرافضة النَّوْكى يحْرِفُ معنى الخَبَر، ويُحَمِّلُه ما لا يحتمل، مما هو ومشايخه أولى به.
[68] وقيل سنة ثمان وعشرين، وصححه ابن حجر (الفتح 11/76) ، ونقل أقوالا أخرى، وانظر الأموال لأبي عبيد (406) .
[69] قلت: وهذه صورة متكررة من أخلاق المسلمين، وأخلاق أعدائهم، والله غالبٌ على أمره، وانظر في وفاء معاوية عهوده مع الروم المصدر السابق (448) وهو في مصادر كثيرة.
[70] انظر التاريخ الإسلامي لمحمود شاكر (4/100-109)