الصفحة 12 من 27

لقد تجاوزت الإمامةُ - في حس الإمامي والإماميين وعقيدتهم - كونَها محبة وموالاة واتباعًا وتأسيًا؛ بل تجاوزت كونها إمامةً تعيينية وولايةً تنصيصية، وتجاوزت الإقرار بأنهم أئمة مفترضو الطاعة وخلفاء لله في أرضه وحجته على خلقه؛ لقد ذهبت بهم بعيدًا بعيدًا إلى أبعد من ذلك بكثير وتجاوزته بمراحل، لقد قفزت على كل شيء، ولم تُبقِ على شيء.

إن مقام النبوة والرسالة قد انغمر في منعطفاتها واختفى في منحنياتها وتضاعيفها ولم يعدْ له أثر ذو بال إلا في الدلالة على الإمام والتنصيص عليه، ثم إن النبوة والرسالة تنتهي مهامها وتنسحب وتدع للإمامة أن تعمل عملها في المساحات الواسعة التي لا تتجرأ النبوة والرسالة ولا يسعها العمل في فضاءاتها الرحبة، ثم هي - الإمامة - تعمل على سدّ كل الفراغات التي لا يستطيعها الأنبياء والمرسلون. ألم ينحلوهم قولهم:"إن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل".

ولأجل هذا وذاك وانسياقًا مع هذه المنهجية في التربية والتعليم والدعوة والتوجيه عندهم وانسجامًا مع معطياتها الحتمية في التعاطي مع الأئمة؛ فإنهم لا يلهجون إلا بذكرهم وتعظيمهم، ولا يحومون إلا حولهم، ولا يتوجهون إلا إليهم؛ يذكرونهم ذكرًا كثيرًا، ويسبحونهم بكرة وأصيلًا، ويتغنون بممادحهم ليلًا ونهارًا، ويستعينونهم على قضاء حوائجهم قيامًا وقعودًا، تتجافى بالإمامة جنوبهم يدعونهم خوفًا وطمعًا، يخافونهم خوفًا شديدًا، ويرهبونهم كثيرًا، ويخشعون لهم - وبحضرتهم - خشوعًا عظيمًا. وفي مقابل ذلك لا تجد لله تعالى ولا لرسوله حضورًا في قلوبهم ولا على ألسنتهم ولا في أوساطهم ما تجده للأئمة.

وهذه نتيجة حتمية لتلك التعبئة التي لا تنقطع في ليل ولا في نهار، ولا في سرّ ولا في إجهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت